ثم إن لم يجدوا للمسائل حكما واضحا أمكنهم أن يلجؤوا إلى التفريغ على قواعدهم الفقهية العامة، كالمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال.
أو بقياس الوقائع الحديثة على نظائرها القديمة في كتب الفقه.
كلّ هذا يجوز لمن تأهل لهذه المسألة، حسب الاجتهاد المقيّد وشروطه السابقة.
ويمكن أخذ الفتوى من كتب الفقهاء بتكوين لجنة من العلماء تنظر في المسألة في كتب سائر المذاهب، فلا أظنها تعدم حكما لتلك الواقعة، فبعضها وقع في مجتمعهم فأفتوا فيه، وبعضها فرضوها فرضا وهم في حالة فرضهم للأحكام؛ فكأن الله ألهمهم ـ أي أولئك العلماء السابقون؛ أن استخرجوا فقها لا واقع له اليوم فسيكون له واقع في المستقبل؛ لأنَّ من سيأتي بعدكم ممن لم يمكنهم التفريع سيجدون هذه الأحكام فيستفيدون منها.
ومن أمثلة ذلك: قول الفقهاء سابقا: «يقصر المسافر الصلاة ولو على جناح طائر، وكفتواهم في النقود المقترضة إذا قلت قيمتها، أو بطل التعامل بها. وكفتواهم في بيع الهواء فوق الهواء ليبنى عليه، وكفتواهم فيمن حمل قربة مملوءة ريحا وهو في الصلاة، وفتواهم في المريض الميئوس من حياته، هل تجوز إراحته بتعجيل موته، وغير ذلك.
ولو فرضنا عدم وجود مجتهد مقيّد ينظر في المسائل، فيفتي فيها تخريجا، فالواجب أن يرجع هؤلاء إلى الكتب لعلهم يجدون أحكاما جاهزة لا تحتاج إلى اجتهاد، بل تنقل كما هي، كما قلنا ذلك في حالة وجود الاجتهاد، فإنَّ الفقهاء اتفقوا على جواز النقل من غير اجتهاد، وبعدم وجود حكم في هذه الحالة فلا يسع الناس إلا التوقف عن الحكم في تلك المسائل، ويحتاطوا بالابتعاد عن الحكم فيها، أو يجوز لهم الإقدام على إباحة ذلك عند الضرورة فإنَّ الضرورات تبيح المحظورات، وقد قال الفقهاء إن مواطن الضرورة مستثنى من النصوص. والقرآن واضح في هذا، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير ... فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] [5] .
(1) [5] سورة المائدة: 3.