أولا: الحديث عن عنوان المبحث:"الاجتهاد الفقهي بين الاجتهاد والتحديث".
أَمَّا الاجتهاد الفقهي فهو ما قدمنا الكلام عليه، عن حقيقته وأقسامه، وما يمكن منه وما لا يمكن، ثُمَّ من تجوز له الفتوى ومن لا تجوز له.
ولكن ما المراد بالاجتهاد والتحديث؟
قطعا لا يراد منه الاجتهاد الفقهي المتقدم؛ لأنَّه لا يقارن بين الشيء ونفسه.
فإذًا: ما هو؟ وما التحديث؟ وهل هما شيء واحد؟
الذي فهمته بمعونة ما هو سائد في المجتمع هذه الأيام من الحديث عن وقائع معاصرة كنقل الأعضاء، وتشريح الميت، وتلقيح النساء ونحو ذلك؛ أنّ المراد استحداث فتاوى شرعية في وقائع جديدة تختلف عن تلك الوقائع التي قد اجتهد فيها المجتهدون السابقون، مرتكزة هذه الفتاوى على أسس الاجتهاد الفقهي بضوابطه وشروطه المعلومة مِمَّا تقدم.
هذا فهمي لمعنى الاجتهاد والتحديث، فهما إذا معنى واحد، والمراد إذًا منهما الحداثة في الفتاوى لا في الأساس التي بنيت عليه الفتاوى، فهو قديم على نهج الأسس السابقة.
ويمكن أن يفهم من الاجتهاد والحداثة ـ على أنهما بمعنى واحد أيضا ـ تجديد وسائل الاجتهاد وابتكارها على نحو يكفل الحل لمشاكل المجتمع المعاصر المعقدة، بعيدا عن التقيد بتلك القوانين التي اختطها الفقهاء للاجتهاد سابقا.
وبمعنى أوضح المراد هو التجديد في أصول الفقه كما يرى ذلك بعض الناس، وهذا الفهم ما لا أتوقع صدوره. وسبب ذلك أن مثل هذا النوع من الاجتهاد معلوم البطلان.
بعد بيان المراد من عنوان البحث حسبما فهمته فأقول عن هذا العنوان: العلماء إما مجتهدون اجتهادا مقيّدا، أو ليسوا كذلك (أي غير مجتهدين) ، وهذا الكلام في حالة توفر الاجتهاد.
فالذي أراه أن الواجب على العلماء قبل سلوك طريق الاجتهاد أن ينظروا في كتب السابقين فإنَّ كثيرا من المسائل التي يظن أنها لم يسبق لها حكم في كتب الفقه؛ نجدها قد نص عليها الفقهاء السابقون، كما تأتي أمثلة ذلك.