فإن لم يجد حكما ولم يكن من أهل الضرورة فتحرم الفتوى في هذه الوقائع؛ لأنَّه قول على الله بغير علم. قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [1] [6] .
فإذا قال قائل: إن الشريعة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي حول هذه المسائل. قيل له: هذا صحيح، فإن الشريعة لم تقف، وإنما وقف أهلها مكتوفي الأيدي.
ويحضرني في هذا المعنى قول بعض علماء الشناقطة في جواب مثل هذا القول قال ما معناه:
فإن تكن عدمت تلك المنقبة قلنا فما على السكوت معتبة
ثُمَّ يقال لِمن يستبعد الوقوف عن الفتوى، أو ينكر ذلك: لمَ لمْ يقدم الجاهل على مهنة الطب من غير علم بها، ولمَ لمْ يقدم على مهنة الهندسة، فيصف الأول الدواء ويجري العمليات ويخط الثاني الطرق ويشيد المباني؟
ولمَ منعت الأمة هؤلاء من ادعاء مثل ذلك وجعلته جريمة نكراء، ولم تمنع هؤلاء، وتوقع بهم العقاب؟ ما ذاك إلا لهوان الدين على الناس.
فالحاصل: أنّ الناس والحالة هذه أمام أمرين:
1 -ترك الخوض فيما لا علم لهم به، وهو أخف ضررا.
2 -أو الخوض فيه بغير علم فيضلوا ويضلوا.
من ذلك دعوى الاستناد إلى المصلحة في حكم كثير من القضايا التي قضى فيها الشرع بالمنع والتحريم، من غير نظر إلى موافقة تلك المصلحة للنصوص أو معارضتها لها.
وهذا المبدأ ليس مستحدثا في هذا العصر بل قال به الطوفي الحنبلي المذهب الشيعي العقيدة، في القرن الثامن الهجري، والتف حوله كثير من الباحثين تحت شعار التحديث والتجديد.
(1) [6] سورة الأعراف: 33.