السبب في ذلك عدم توفر تلك الشروط، فإنَّ السلف الصالح كانت هذه الشروط متوفرة لديهم، والجو صالح، فالعلماء الذين يؤخذ عنهم العلم متوفرون، والحرص على طلب العلم والتفاني فيه متحقق، والإعراض عن كل ما يشغل عن طلب العلم، مع بساطة الحياة في تلك العصور، علاوة على إخلاص النية في طلب العلم، وتقوى الله تعالى خير معين على تحصيل العلم.
فبهذه الظروف تمكنوا من آلة الاجتهاد فاجتهدوا، وعندما تقاصرت الهمم، وقل العلماء، وأقبل الناس على الدنيا بكليتهم، وتعقدت الحياة، وفسدت الدنيا، وصار وقت الناس مصروفا في تحصيل مآكلهم ومشاربهم، وملابسهم، ومراكبهم، ومجاملاتهم ـ كما هي الحال الآن ـ عند ذلك كله، لم يكن هنالك طمع في حصول الاجتهاد.
ومن أجل ذلك أغلق باب الاجتهاد، وشدد النكير على من يدعيه كما تقدم ذلك.
ولا يظن بهؤلاء الذي حكموا بسد باب الاجتهاد ـ وهم خير الأمة ـ أن يقدموا على المنع من شعيرة دينية شرعها الله لعباده ـ بل أوجبها عليهم أحيانا ـ إلا وهناك سبب لهذا المنع.
وإذا كان الاجتهاد قد سد بابه في تلك العصور مع ما فيها من خير وصلاح وإخلاص، وجو مشحون بالعلم والعلماء فتعسره في عصرنا من باب أولى.
وإذا كان الأمر هكذا، فلا ينبغي لأحد في عصرنا هذا أن ينادي بالاجتهاد، وفتح بابه، ونحن على ما نحن عليه من ضعف فكري وديني، وتشتت وتمزق، وإهمال الكثير من الواجبات، فإنَّ هذا ليس فتحا لباب الاجتهاد بل هو فتح لباب الفساد، والفوضى الدينية وطمس لمعالم الدين وتعاليمه، وإذا انتهى القول إلى عدم إمكان الاجتهاد المطلق لعدم التمكن من شروطه، وأسسه في هذا العصر، فهل يمكن للعلماء في هذا العصر أن يجتهدوا فيما يجد من وقائع اجتهادا مقيّدا غير مطلق؟
وقبل الكلام على إمكان الاجتهاد فلا بد لنا من الحديث عن حقيقته وأقسامه، وما يجوز لصاحبه الفتوى والحكم بالاجتهاد بناء عليه وما لا يجوز، وذلك في المبحث الأول.