فهذه الأمور مجتمعة لا شك أنها تحول دون بلوغ رتبة الاجتهاد هذا هو الغالب، ولا ينافى ذلك أن يكون في بعض الأفراد من اصطفاه الله، وحسن حاله وبلغ مبلغا من العلم، فهل يبلغ تلك المرتبة؟
أستبعد ذلك، والمشاهدة خير دليل.
وإذا كان الأصوليون مثلوا لأهل هذه المرتبة بإمام الحرمين الجويني والغزالي والكدمي فأين علماء اليوم من أولئك؟
لو قلنا: إن ما تقدّم من فقد أهلية الاجتهاد المطلق ـ فيه نوع من المبالغة ـ في أهل هذا العصر، وتقليل من جهدهم ومساهمتهم العلمية، وأن التوسط في الأمور يقتضي رفع مرتبتهم عن ذلك، فهم وإن لم يبلغوا مبلغ أولئك السابقين، لما ذكر من أسباب، فإن فيهم من يمكنه أن يفتي ويخرج الفروع، ويقيس على أقوال العلماء، فيمكن أن يكونوا من أهل المرتبة الثانية من رتب المجتهدين المقيّدين، ولا سيما وأن هناك مؤتمرات، وندوات تعقد من وقت لآخر، ومجامع فقهية في عدة بلدان من بلاد الإسلام، وقد عرضت فيها كثير من الوقائع والحوادث، وعولج فيها كثير من تلك الوقائع المعاصرة.
أقول: لم أقل بانتفاء وصف هؤلاء بهذه المرتبة قطعا، بل استبعدت ذلك، وسبب الاستبعاد قائم، وهو أن المرتبة الوسطى ـ من مراتب الاجتهاد المقيّد ـ صاحبها حافظ لفقه إمامه، يمكنه تقريره وإيضاحه، وقد ألَمّ بطرق من التخريج والتفريع، والترجيح بين الروايات فهل هذه الصفات متحققة فيمن ذكروا من أهل تلك المؤسسات السابقة؟
ثم على فرض تحقق الاجتهاد المقيّد، أو فرض عدم تحققه، فما الحل لتلكم المشاكل والقضايا التي تنتظر الحلول وبيان حكم الشرع فيها؟
هذا ما سنتحدث عنه في المبحث الآتي.