وللبلوغ علامات طبيعية يتحقق بظهورها و سن معين يتحقق به البلوغ إن لم تظهر علاماته سيأتي الكلام عنها.
إن مرحلة الصبا تنتهي ببلوغ الحلم عند عامة الفقهاء غير أن دفع الأموال وأهلية الأداء الكاملة له، ونفاذ تصرفاته المالية تتوقف على صفة أخرى فوق البلوغ هي صفة الرشد.
لقوله تعالى"وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ"النساء 6،"فالآية تدل على أن دفع المال أو أهلية الأداء الكاملة لا تتحقق إلا بشرطين: و هما بلوغ النكاح وإيناس الرشد. ولا يسلم للصبي ماله إلا بعد تحققهما."
قال سعيد بن جبير والشعبي: أن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده، فلا يدفع إلى اليتيم ماله وان كان شيخا حتى يؤنس منه رشده.
والمراد بالرشد في الشؤون المالية هو: القدرة على تدبر الأمور المالية واستغلال الأموال استغلالا حسنا، وقد فسر ابن عباس والسدي والثوري و غيرهم الرشد بأنه الصلاح في العقل وحفظ المال [1] وقال الإمام مالك: الرشد تثمير المال وإصلاحه فقط [2] ، وليس المراد به هنا التقوى والورع كما يرى بعض الفقهاء.
ولما كان الرشد هو القدرة على تنمية الأموال واستغلالها و حسن القيام عليها وتدبير شؤونها، فهو لابد أن يختلف باختلاف تعقد الحياة واختلاف مسالكها وطرقها، وكلما كانت الحياة الاجتماعية، يسيرة لم تختلف مناهجها، ولم تتسع الحاجات فيها سهل على الشخص تدبير أمواله و استغلالها [3] .
أما إذا كانت الحياة متشعبة المسالك متسعة الأفق تحكمها نظم اجتماعية واقتصادية متشابكة، لا يستوعبها و لا يدركها إلا بعد نضج و دراسة، كان لابد أن تتأخر سن الرشد، وتتباعد عن سن البلوغ، وقد تتقارب لتوقف البصيرة المالية على قدر من التجربة و الممارسة العملية و سيطرت العقل على الهوى، وما للمؤثرات الاجتماعية و الاقتصادية من دور في تقدم الرشد المالي أو تأخره لهذا فالرشد المالي قد يصاحب البلوغ وقد يتأخر عنه بحسب فطرت الشخص وخبرته في الشؤون المالية ومعرفته بأحوال الناس وواقعهم الاجتماعي والاقتصادي فبالرشد لا بمجرد البلوغ
(1) القرطبي الجامع لأحكام القران 5/ 34 النوري لروضة: 3/ 413: كشاف القناع: البيهوتي 3/ 147
(2) بداية المجتهد ابن رشد 4/ 1926
(3) : الجامع لأحكام القران: القرطبي 5/ 34، الملكية ونظرية العقد: أبو زهرة 272، المدخل الفقهي العام الرزقا مصطفى احمد: 2/ 819