ولا يثبت للجنين من الحقوق ما يتوقف ثبوته على قبول المالك كالهبة، وكذلك لا تثبت عليه الواجبات، لان الالتزام لا يثبت إلا بعبارة الملتزم نفسه أو من ينوب عنه وهذه الأمور غير متصوره من الجنين.
2 -أهلية الوجوب الكاملة.
وهي تثبت للإنسان منذ ولادته حيًا وتستمر معه مادامت حياته باقية، وتثبت له أهلية الوجوب الكاملة، لكمال ذمته، من كل وجه، ويكون صالحًا لوجوب الحقوق له وعليه وهذه الأهلية تثبت للإنسان في جميع أطوار حياته إما بنفسه أو بالنيابة عنه [1] .
هي صلاحية الشخص للمعاملة واستعمال الحقوق الثابتة له شرعا و التصرف فيها.
فأول أثر لثبوت أهلية الأداء صحة التصرفات القولية والفعلية، باعتبارها أسبابًا منشئة للحقوق للشخص وعليه، وتتوقف على توافر أهلية الأداء جميع المعاملات، والتصرفات القولية والفعلية، كما يتوقف عليها صحة التكليف بالأحكام الشرعية ومناط أهلية الأداء العقل، الذي يجعل صاحبه يميز بين التصرفات النافعة والضارة ويخوله قوة الفهم لمعرفه مقاصد العبارات والقيام بالواجبات، فالعقل هو الأداة لفهم النصوص وإدراكها.
ولما كان العقل خفيًا لا يدرك بالحس وهو يتفاوت من شخص لآخر، وأنه يتطور وينمو ويتدرج من العدم إلى الكمال في الشخص الواحد، لذا ربط الشارع التكليف وأهلية الأداء بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس ويدل على تحقيق المستوى العقلي المطلوب للقدرة على فهم الخطاب، وهو البلوغ إقامة للسبب الظاهر مقام حكمه لأن الأحكام الشرعية تعتمد على الأمور الظاهرة ولذلك ربطت أهلية الأداء بالبلوغ أو السن أو العلامات الجسمية التي تدل على اكتمال النمو وتوافر العقل، لأن البلوغ فطنة العقل وكمال الإدراك.
فمناط أهلية الأداء العقل، ولكن العقل يبدأ بالنمو والظهور شيئًا فشيئًا، وتتوافر في الشخص بعض صفات العقل في مرحلة سابقة عن البلوغ، وهي مرحلة التمييز، وهي التي يميز فيها الصغير بين النافع والضار وبين معاني ألفاظ العقود في الجملة، ويعرف المراد منها عرفًا ولذلك أجاز جمهور الفقهاء للصغير المميز ممارسة
(1) أصول السرخسي: 2/ 323، التوضيح على التنقيح، 2/ 336، كشف الأسرار علاء الدين البخاري 4/ 239 تيسير التحرير، محمد أمين أمير بادشاه: 2/ 249 - 250.