عمل المفتي في النوازل المعاصرة
الدكتور جدي عبد القادر
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية
إن الفتوى هي من أجل الخطط الشرعية، وأوكد فروض الكفايات التي أولاها علماء الإسلام اهتماما بالغا وأثروها بحوثا ودراسات مستفيضة نظرا لما يتوقف عليها في الواقع من انتظام مصالح الناس في أمور دنياهم وهدايتهم في مسائل دينهم، ولأن الإفتاء هو تبليغ أحكام الشرع للخلق فلقد تهيب السلف والتقاة من العلماء من قربانه، وأحال بعضهم على بعض لما علموا من أن أجرأ الناس على الفتوى أجرؤهم على النار.
فالمفتي كما قيل ترجمان عن الله تعالى، فإن عمل الترجمان نقل معاني الكلام من لغة إلى أخرى لمن لا يفهمه بلغته الأصيلة، وكذلك المفتي يعبر عن مراد الله كما فهمه من النصوص التي جعلها الله أدلة عليه لمن لا يستطيع فهمه منها مباشرة. بل قيل إن المفتي وارث، قائم في الأمة مقام النبي-ص- لأن المفتي مخبر عن الله، لحديث كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر [1] [1] . بل قيل إن المفتي موقع عن رب العالمين [2] [2] ، بل قال الشاطبي: إن المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول: يكون فيه مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فهو بهذا الوجه شارع واجب اتباعه [3] [3] .
-اضطراب شأن الفتوى، وتصدي الكثيرين لها في وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة وفي الشبكة العالمية، قبل استكمال شروطها من التبحر في علوم الشريعة واللغة ومعرفة واقع الناس وأعرافهم، فنشأ عن ذلك التساهل في الأقوال، والتناقض في الأحكام، وعدم إتباع الدليل والدوران مع الحجة، واقتحام باب الفتوى في الشؤون العامة والنوازل المركبة وقضايا السلم والحرب، فكثرت الفتاوى الباطلة والشاذة. وفتق في الدين فتوقا، وصار الناس في حيرة من أمرهم فهذا يحلل وهذا يحرم، وهذا يوجب وهذا يبيح فكان لابد من معرفة الميزان في هذا كله.
وقد لخص ملتقى الفتوى المنعقد بمكة المكرمة في بيانه مشكلات الفتوى في العصر الحاضر في النقاط الآتية:
-ابتعاد بعض المتصدين للفتوى عن منهج الوسطية المبني على الكتاب والسنة، وسلوكهم أحد طريقين متطرفين: إما التشدد، وإما التساهل المفرط.
-صدور بعض الفتاوى بآراء شاذة عارية عن الدليل الصحيح المعتبر
-انفراد بعض المتصدين للفتوى بالإفتاء في نوازل تمس المجتمعات، وتتصف بطابع العموم، والتشعب الذي تخرج به الفتوى عن حيز الفن الواحد إلى حيز الفنون المتنوعة، مما يجعل أمر استيعابها وتصورها على حقيقتها معتركًا صعبًا لا يستطيع خوض غماره الواحد بمفرده.
-صدور بعض الفتاوى المخالفة لأصول الاعتقاد، وكليات الشريعة، ومبادئ الأخلاق، وما شرع من الأحكام بنصوص ثابتة قطعية.
-التصدي للفتوى ممن لم تتحقق فيه شروط المفتي وصفاته وآدابه
-اجتراء من ليس من أهل العلم الشرعي على فتاوى العلماء الربانيين، وقرارات المجامع الفقهية والتشكيك فيها.
(1) [1] - الترمذي: في العلم-باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، 5/ 48
(2) [2] - ابن القيم، أعلام الموقعين، 1/ 17
(3) [3] - الشاطبي، الموافقات، 4/ 245