وتلتقي المقاصد والمصالح حين اتفاقهما في المقصد العام من التشريع، وهو حفظ نظام الأمَّة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه [35] .
وتلتقي المصالح والمقاصد أيضًا في تصرفات الناس الشاملة للمصالح والمفاسد، سواء كانت مقاصد (غايات) أم وسائل، فالمقاصد هي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل الوسائل هي أرذل الوسائل، وإلى متوسطة [36] .
وإذا وجد تعارض بين المصالح رجح المجتهد المصلحة الأقوى اعتبارًا، وميزانه في هذا عدة قواعد شرعية منها بالإضافة لما تقدم بيانه:
-إذا تعارضت المصلحة العامة مع مصلحة خاصة قدمت المصلحة العامة، فقدم العلماء مصلحة أرباب السلع على مصلحة بعض الصناع الذين يتحملون ضمان هلاك السلعة من دون تعدّ أو تقصير منهم، وذلك إذا غلب التعدي أو التقصير على مجموع الصناع.
وخرَّج المالكية مشروعية ضرب المتهم الذي قامت القرائن القوية على ارتكابه السرقة، على هذا الأصل، مع أنه قد يكون بعض المتهمين أبرياء من السرقة.
-إن قاعدة الذرائع في رأي المالكية والحنابلة تعتمد على أساس أو أصل القاعدة السابقة في رعاية المصالح؛ لأَنَّ المنع من شيء جائز هو الراجح؛ لأَنَّه يؤدي إلى مفسدة توازي مصلحة الفعل أو تزيد عنها.
وعند الموازنة بين المصلحة والمفسدة يراعى عموم المصلحة والمفسدة وخصوصهما [37] .
ويكون مجال العمل بالمصلحة غالبًا أو في حال تجددها أو تغيرها في دائرة المعاملات ونحوها، ومجال اعتبار مقاصد التشريع في كل من العبادات والمعاملات والعقوبات وأحكام الأسرة والعلاقات الداخلية والخارجية مع غير المسلمين، فهي تشمل جميع أحكام الشرع، والمقاصد ثوابت لا تتغير على عكس المصالح، والمصلحة وإن كانت