المنضبطة المناسبة للحكم، والتي هي مظنّة توافر الحكمة. والمصلحة المرسلة التي هي دليل عند الإباضية والمالكية والحنابلة: هي المتفقة مع جنس المصالح المعتبرة شرعًا.
والواقع أن دراسة المقاصد مهمة جدًا؛ لأَنَّها بمثابة الفنار الهادي إلى ميناء السلامة والنجاة، فيستهدي بها المجتهد عند استنباط الأحكام؛ لأَنَّها تحدِّد مسار الاجتهاد وضرورة رعاية حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، بالإضافة إلى ضرورة الاهتداء بقواعد التيسير والسماحة في الشريعة، ودفع المشاق والأضرار والمفاسد وغيرها من القواعد الكلية. وهذا منهاج وإن أعلنه وفصله الإمام أبو إسحق الشاطبي، إلا أَنَّهُ مراعى في جميع المذاهب، ولا سيما مذاهب أهل السنة ومنهم الإباضية، «فالمقاصد الشرعية تمثل الخطوط العريضة للتشريع، والقواعد الكلية، والضوابط العامة، وهي الرافد الذي يعين على الاستنباط الفقهي في جميع مجالاته، ومختلف قضاياه» ، «والأحكام إِنَّمَا شرعت لتحقيق مقاصد نبيلة وأهداف سامية» [1] .
والجديد في بحث المقاصد أن الأحكام المستنبطة يراعى في توجيهها ـ سواء أكانت وسائل (ذرائع) أو مآلات ومقاصد ـ ضرورة الانطلاق من آفاق المصالح العامة أو المصالح الفردية، كتشريع الصلاة والصيام واتجاه القبلة إلى البيت الحرام، ومشروعية الجهاد، والتقرير على التوحيد، كما أبان الشاطبي في كتابه الرائع:"الموافقات" [2] حيث قال بعد إيراد الأمثلة على أن الشريعة وضعت لمصالح العباد باستقراء تفاصيل الأحكام:"وإذا دلَّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم (أي اليقين) فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة".
الشريعة الإسلامية: شريعة عامة دائمة خالدة، يراد بها تحقيق مصالح الناس ونجاتهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة، ومقتضى ذلك أن جميع أحكام الشريعة المطهرة مبناها وغايتها الحفاظ على مصالح الناس عاجلًا أو آجلًا، إما بجلب النفع لهم، أو لدفع الضرر والفساد عنهم، مع مراعاة مبدأ اليسر والسماحة في التكاليف الشرعية؛ لأَنَّ من خصائص الشريعة دفع الحرج أو المشقة، وانسجام الأحكام مع ظروف الحياة الواقعية، بدليل استقراء وتتبع أنواع الأحكام وفهم المراد منها، وإدراك غايتها وجدواها.