يرشد إلى هذا آي القرآن مثل قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [3] وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [4] .
ومثل ذلك من السنَّة النبوية الثابتة، حديث «بعثت بالحنيفية السمحة» [5] ، وحديث: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا» [6] .
وأكدته تفاصيل الأحكام الجزئية، سواء في العبادات والمعاملات والجنايات، قال الله تعالى في بيان المبدأ العام: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [7] ، وفي الوضوء قال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [8] ، وفي الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [9] ، وفي الصلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [10] الخ.
وفي التجارة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [11] .
وفي القصاص على القتل العمد: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [12] ، وفي الجهاد: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [13] .
وفي شأن القبلة وتحويلها والاتجاه إلى الكعبة المشرفة: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [14] .
وفي التقرير على مبدأ توحيد الله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [15] والمقصود التنبيه [16] .
وأدرك أئمَّة الاجتهاد وعلماء الأصول أَنَّهُ يوجد مع كُلّ حكم شرعي ثلاثة أوصاف:
أ الوصف الظاهر المنضبط: كالبيع والغصب والسرقة وهو العلة.
ب وما يوجد في الفعل من نفع أو ضرر، وهو المصالح والمفاسد أو حكمة التشريع.
ج- وما يترتّب على التشريع من جلب منفعة أو دفع مضرة، ويسمى مقصد التشريع، فما من حكم شرعي إِلاَّ وقد شرع لرعاية مصلحة أو درء مفسدة، مِمَّا يَدُلُّ على أن الشريعة تهدف إلى تحقيق مقصد عام، وهو إسعاد الفرد والجماعة، وحفظ النظام، وتعمير الدنيا، وبقاء العالم.