وبناء عليه، تتشابه المقاصد والمصالح في تقسيمها ثلاثة أقسام كما تقدم.
والمقاصد الضرورية ثابتة، لذا يعبر عنها بأنها الكليات الخمس أو الأصول الكلية، وهذا منطقي؛ لأَنَّ حماية الضروريات والحفاظ عليها بعد وجودها يعد من أصول الشريعة وثوابتها الدائمة، فلا تقبل النسخ، كما قرر الشاطبي، سواء في مراتب المقاصد الثلاث (الضرورية، والحاجية، والتحسينية) أو في كليات الشريعة التي تؤكد حفظ هذه المراتب، كما أن قواعد المقاصد متعلقة بجزئيات الشريعة وفروعها، فلا بد من مراعاة الكليات عند دراسة الجزئيات [46] .
أمَّا المصالح فقد يَطرأ عليها التغيّر والتبدل؛ لأَنَّ الحياة في تطور دائم، ومصالح الناس تتجدَّد بتجدد الأزمنة والأحوال، كما أن أساليب الناس للوصول إلى مصالحهم تتغير في كُلّ زمان ومكان، وفي البقاء على حماية المصالح الماضية عبث وإحراج للناس وإضرار بهم لا يتفق مع قصد التشريع من تحقيق المصالح ودفع أو درء المفاسد. وهذا أحد أدلة العمل بالمصالح المرسلة وجعلها أحد مصادر الاجتهاد.
ولكن محاولة جماعة الحداثيين في التمسك بالمقاصد العامة للتشريع وحدها هي محاولة خطيرة؛ لأَنَّها تؤدي إلى تعطيل النصوص الشرعية وتجاوزها وإلغاء مسوغاتها، فعلم المقاصد رائع، ولكنه يعتمد على ضوابط وقواعد؛ ومنها ضرورة توافر مناط الحكم الأصلي.
والتمسك بمجرّد المصلحة المتغيرة دون إقرار الشرع لجملتها بجنسها أو نوعها هو أيضًا أخطر وأسوأ.
وَأَمَّا قواعد المقاصد المتعلقة بالتيسير ودفع الحرج فهي أيضًا مقبولة ولكن ضمن ضوابط الشرع، وقواعده ومقصده العام، ومراعاة مقاصد المكلفين، ومن قواعد الشرع: الأخذ باليسر دون التكليف بالشاق، وإذا وجدت مشقة في فعل فهي ليست مقصودة بذاتها، والشريعة تأخذ بالمنهج الوسط الأعدل، ولا تتصادم الشريعة مع الممكن عقلًا أو شرعًا، والمطلوب دوام التكليف. ومن مبادئ رعاية مقاصد المكلفين: أن «القصد إلى المشقة باطل» وأن قصد المكلف في اتخاذ العقود جسورًا إلى الحرام مردود عليه، كاستعمال البيوع الربوية.