وأما التخشين في القول كقوله: يا ظالم، يا من لا يخاف اللَّه وما يجري مجراه فذلك إِن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إِلى غيره لم يجز، وإِن كان لا يخاف إِلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إِليه، فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإِنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة والتعرض لأنواع العذاب، لعلمهم بأن ذلك شهادة [1] ثم ذكر أمثلة وحكايات تطبيقية كثيرة من واقع سير السلف وموقفهم تجاه الظلمة فارجع إِليها إِن شئت.
أجل: هذا موقف المسلم تجاه ولاة أمره بالإِضافة إِلى طاعتهم، فهو ينكر عليهم ما يمارسونه من معاص، وهذا الإِنكار يكون باللسان عند القدرة وإِلا فبالقلب وهو آخر مراتب الإِنكار، كما دل عليه حديثا عوف بن مالك، وأم سلمة السابقان، قال النووي تعليقا على حديث أم سلمة: فيه دليل على أن من عجز عن إِزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إِنما يأثم بالرضا به أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه [2] .
المسارعة في امتثال الأمر وعدم التردد فيه لا يكون إِلا لأمر اللَّه، وأمر رسوله، أما غيرهم فلا بد من التثبت فيما يأمرون به، والتأكد من عدم كونه محظورا من الناحية الشرعية.
فليس لأحد إِذا أمره الرسول بأمر أن ينظر هل أمر اللَّه به أم لا بخلاف أولي الأمر فإِنهم قد يأمرون بمعصية اللَّه، فليس كل من أطاعهم مطيعا لله، بل لا بد فيما يأمرون به أن يعلم أنه ليس بمعصية لله، وينظر هل أمر اللَّه به أم لا [3] .
ولعل في حديث السرية الذي جاء فيه أن أميرها أضرم النار وأمر
(1) إِحياء علوم الدين 2/ 337.
(2) شرح صحيح مسلم 12/ 243.
(3) عن مجموعة الفتاوى لابن تيمية 10/ 267.