ولكنها خلال الأشهر الأخيرة؛ صارت تلمح على قسمات وجه ابنها تغيرا وسهوما ووجوما وصمتا، وغابت تلك الابتسامة المشرقة التي كانت لا تفارق شفتيه، هنالك شيء جديد جاد يعتمل في أعماقه يشغله، وهي تلاحظ عليه شرودا، ولم تعد تلك الأحاديث التي كان يفاتحها بها عن أمانيه وأحلامه، واختفت من أنظاره بهارج الحياة وزخارفها.
واضطرت أن تقتحم عليه عزلته ووحشته متسائلة: (ماذا عساه دهاك يا حبيبي فأشغلك عنا وعن الحياة الوادعة الآنسة حولك؟!) .
وهنا فاتحها بما يكنه بين جوانحه: (لقد قرأت كتابا عن الجهاد الأفغاني، اسمه"آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، يتكلم عن قضية خطيرة كبيرة في حياة المسلمين، وهي قضية الجهاد التي ليست مسطرة في سطور، بل حقائق متمثلة في دنيا الواقع يخوضها شعب أعزل أمام العملاق الكبير - الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو -) .
وبدأت الأسئلة تنثال على لسانها: (وأين أفغانستان هذه من الأرض؟) .
فأجاب: (إنها بلد مسلم، يعيش فيه شعب رفض أن يعطي الدنية في دينه، ودفع ضريبة عزته غالية باهظة، فهناك على سفوح الهندوكوش وعلى ضفاف الهلمند وفي سهول هرات؛ يسقط شهيد كل أربع دقائق، ويغادر شيخ أو امرأة منزله كل دقيقة ... ) .
يستعذبون مناياهم كأنهم لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا
قالت: (ولكن هذه البلاد جد بعيدة!) .
فأجابها: (أو لسنا المسلمين؟ أو ليست أرض الإسلام كالبقعة الواحدة؟!) .
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية أرض أو لأي مكان
وطفق فيصل يرتب نفسه ويعد للأمر عدته ويتخذ له اهبته، وفاض الغرام واحترق الكبد من الشوق وزاد الشجى، وإذا به ذات يوم يحضر سيارة كبيرة من السوق، ويضع جميع أمتعته رياش العرس وفراش الزواج وأثاثه، ولم يبق في البيت كرسيا ولا أريكة، وانطلق إلى"سوق الحراج"، وطلب من السمسار أن ينادي عليها بالبيع، وصاح الدلال، فقال قائل؛ هي علي بثلاثة آلاف! فلم يتردد عن الإجابة بالقبول، وباعها بهذا الثمن البخس بعد أن دفع ثمنها سبعة عشر ألفا.
لقد كان بيع الأثاث إعلانا صارخا عن العزم الوامض والتصميم الحاسم على طلاق الدنيا ثلاثا لا رجعة فيها.