الصفحة 45 من 105

وتعلقت أمه به، لا بد أن أرافقك مسيرة طريق العرق والدماء، ولا بد أن أسير فوق جادة الجهاد رغم الأشواك والعقبات واللأواء والسغوب والنوى.

ويعجب فيصل: (وهل لمثلك دور في هذا الدرب المضني؟! سيما وقد نيفت على السبعين وثقل اللحم وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر!) .

وتجيب الأم: (نعم، أستطيع أن أغسل ثياب المجاهدين وأن أطبخ طعامهم) .

وصار النقاش يشغل قسما من الوقت في مجيئها أو بقائها في بيتها، ووعدها فيصل أن يأتي لمعرفة الدور الذي يمكنها القيام به في أرض الجهاد ثم يرجع إليها.

وجاء فيصل فترة، ثم عاد ليرتب أموره نهائيا ويستقيل من وظيفته، ويخلص بنفسه إلى الله وينسلخ من دنياه التي يعيش فيها نهائيا.

وتُصر الوالدة على القدوم إلى أرض الجهاد، وقدمت فاطمة إلى بيشاور وزارت الأرامل والأيتام، وحاول ابنها أن تعود إلى جدة، وبعد جهد جهيد توصلا إلى قبول تحكيمي، فقالت له: (لن أرجع حتى أسأل الشيخ عبد الله عزام) .

وجاء فيصل بأمه لتطمئن إلى جواز رجوعها إلى جدة، وإلى الحكم الشرعي أن الله يعذرها بالعودة، فأفتيتها بجواز رجوعها، فغادرت وهي مطمئنة أنها من أصحاب الأعذار.

نظرت إلى هذه العجوز بإكبار وانبهار، ثم قلت في نفسي؛ أنها مكية ولعلها قرشية، فلا غرو في هذا فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده) [متفق عليه] [1] .

إنها تريد أن تسير على نهج أم حرام بنت ملحان - زوج عبادة بن الصامت - حيث نام صلى الله عليه وسلم في بيت عبادة فاستيقظ وهو يضحك، فقالت أم حرام: (مايضحكك يا رسول الله؟!) ، قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة) ، فقالت: (يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم) ، فدعا لها، فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها، فهلكت [رواه مسلم] [2] .

(1) شرح النووي: ج16، ص81، وهو عن أبي هريرة بلفظ: (صالح نساء قريش ... ) .

(2) الحديث متفق عليه عن أنس بن مالك، فتح الباري: ج6، باب 8، برقم 2800، شرح النووي: ج13/ص57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت