فهرس الكتاب
وهم يعلمون كما يعلم الشيخ وكل من تواصل معه أنهم حين أعلنوا عن مهلة الساعة الحادية عشرة لقتل الطيار أن المخابرات قد أرسلت لهم ولغيرهم من المتواصلين مع الشيخ آنذاك رسالة من هاتف الشيخ مفادها (أن إذا قتلتم الطيار فسنعدم ساجدة) فصار إعلانهم لقتل الطيار بعد ذلك يعني إعلانهم عدم اكتراثهم بإعدام ساجدة، وصار إعدامها بأيديهم، بعد أن كانت نجاتها بأيديهم من قبل، وكل عاقل ذي مروءة لو جعل في مثل هذا الموقف لما أعلن عن قتل الطيار وهو يوقن أن إعلانه يعني إعدام الأخت ساجدة، ومع ذلك فقد قدم تنظيم الدولة ومجرموه شهوة الأفلام والتصوير الهوليودي والدعاية لجماعتهم على حفظ نفس وحياة الأخت وهم يعلمون علم اليقين ان بث فلم الطيار بعد التهديد الذي وصلهم؛ يعني حتما اعدام ساجدة ومع ذلك لم يأبهوا بهدر دمها وقتلها فقد اعتادوا على ذبح وقتل غيرها من المسلمين والمجاهدين، فقدموا بث ذلك الفلم واصرارهم على إعلانه ونشره ورجحوه على حياة الاخت رحمها الله، ولو صمتوا أو أغمضوا مصيره أو ادعوا قتله في قصف التحالف فلربما بقي حال الأخت على ما كان عليه من قبل.
وأما الجهل فهذا هدي شرعيي الدولة الذين لا يسددون ولا يقاربون ولا يميزون بين شر الشرين وخير الخيرين فلا يدفعون المفاسد عند تزاحمها باحتمال أدناها ولا يحصلون أعظم المصالح عند تعذر الجمع بين جميعها، وهذا أعظم الفقه في الدين وهم مبتدئون في الفقه قصرت - إن أحسنا الظن - عقولهم على إدراك فقه الأولويات وقواعد الترجيح والتقديم .. وهذا اللغط والغلط والتناقض والتضارب هو نتيجة حتمية لتصدير أنصاف علماء وللمعاصي والكبائر والموبقات التي يرتكبوها بحق المسلمين ودمائهم وجماعاتهم فران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فلا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما أشربت قلوبهم.
يقول شيخ الاسلام رحمه الله:"فتفطَّن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تُقَدِّم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جِنْس المعروف، وجِنْس المنكر، وجِنْس الدليل، وغير الدليل يتيسر كثيرا، فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث تُقَدِّم عند التزاحم أَعْرَفَ المعروفين، فتَدْعو إليه، وتُنْكِر أَنْكَر المنكرين، وترجِّح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين). [1] "
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 127) .