فهرس الكتاب
والذي فعله الشيخ المقدسي ودعا إليه جماعة الدولة في هذه النازلة هو عين الفقه، فالشيخ تعارض لديه واجب مجمع عليه منصوص عليه (فك العاني وحفظ نفس المسلمة وعرضها) مع محظور يمكن فيه الاجتهاد حال الضرورة (وهو اطلاق سراح المرتد بالمفاداة به) وهو أمر يسع فيه الخلاف لورود أدلة خاصة وعامة أباحته عند الحاجة وقيدته بقيد يسهل ادراكه.
ولتوضيح ذلك أقول:
فقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة وأقوال اهل العلم الصحيحة الصريحة على وجوب فك العاني، فمنها قوله تبارك وتعالى: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} .
قال القرطبي رحمه الله:"ولَعَمرُ الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض! ليس بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد، قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسارى، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى، وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع، ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين". [1]
وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} .
قال ابن العربي:"قال علماؤنا: أوجب الله سبحانه في هذه الآية القتال ; لاستنقاذ الأسرى من يد العدو مع ما في القتال من تلف النفس , فكان بذل المال في فدائهم أوجب , لكونه دون النفس وأهون منها. وقد روى الأئمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني) ، وقد قال مالك: على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم ; ولذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم , فإن المواساة دون المفاداة". [2]
(1) الجامع لأحكام القرآن (2/ 17) .
(2) أحكام القرآن (1/ 583) .