فهرس الكتاب
على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: (نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا و مخرجًا) "."
ووجه الدلاله في هذا أن الرسول أمضى صلحا فيه اسقاط متابعة من ارتد من المسلمين الى قريش وطلبه واسترداده لقتله.
وهذا بخلاف الدليل العام الذي لا يسقط طلب المرتد إن فر وتحول الى غير دار الاسلام.
وبهذين الاثرين الصحيحين خرج بعض أفراد العام من حديث (من بدل دينه فاقتلوه) وقد تقرر في الأصول أن العام الذي لم يدخله تخصيص مقدم على ما دخله; وبعبارة أخرى أن العموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص، وتقرر أيضا أن العام إذا خصص ضعف الاحتجاج به.
وفك العاني المسلم عموم محفوظ وكذلك النهي عن خذلانه عموم محفوظ وحفظ نفسه وعرضه عموم محفوظ، فتقديمه على العموم المخصوص فقه صحيح وجريان مع أصول وقواعد أهل العلم.
وأيضا فقد تقرر في الأصول أنه إن تعارض واجب مع محظور قدم الواجب، والذي فعله شيخنا المقدسي هو تقديم واجب متفق عليه محفوظ (فك العاني وحفظ نفس وعرض الأسارى) ودرء محظور متعد صريح متفق عليه وهو (خذلان مسلم قدر على نصره) على محظور مخصوص قاصر غير متعد وهو ترك المرتد بالمفاداة به.
وهذا الفقه الذي فعله الشيخ المقدسي هو الذي تلقاه عن شيخ الاسلام كقوله: (وكذلك إذا تعارض المأمور والمحظور فقد تعارض حبيبه وبغيضه فيقدم أعظمهما في ذلك فإن كان محبته لهذا أعظم من بغضه لهذا قدم وإن كان بغضه لهذا أعظم من حبه لهذا قدم كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين) . [1]
(1) الاستقامة (2/ 165) .