فهرس الكتاب
الناس خلافًا. فأما حرقهم قبل أخذهم بالنار فإن أمكن أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها، لأنهم في معنى المقدور عليه، وأما عند العجز عنهم بغيرها فجائز في قول أكثر أهل العلم". [1] "
والثاني:
أنه لم يثبت بسند صحيح أن أبا بكر رضي الله عنه حرق الفجاءة ولا اللوطية قبل رجمهم ولم يثبت أن خالدا قتل المرتدين حرقا فكل الأسانيد الواردة في هذا تكلم فيها.
وإن صحت فهي معارضة بأقوال غيرهم من الصحابة ومعارضة للنص النبوي الصحيح وبما استقر عليه قول العلماء بعد ذلك كما حكاه آنفا ابن قدامة.
ثم إن القوم إن أجازوا لأنفسهم أخذ هذه الروايات هكذا على علاتها فليجمعوها إن كانوا منصفين مع ما أورده ابن عساكر:"قال أبوبكر رضي الله عنه أجل إني لا آسي على شئ من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت إني تركتهن، وثلاث تركتهن وددت إني فعلتهن، وثلاث وددت إني سألت عنهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأما الثلاث اللاتى وددت إني تركتهن فوددت إني لم أكشف بيت فاطمة، عن شئ وإن كانوا قد غلقوه عليّ الحرب، ووددت إني لم أكن حرقت الفجاءة السلمى وأنى كنت قتلته سريحًا أو خليته نجيحًا، ووددت إني يوم سقيفة بنى ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر وأبا عبيدة فكان أحدهما أميرًا وكنت وزيرا". [2]
أم أنهم كفعل أهل البدع يروون ما لهم ويتركون ما عليهم؟!
والذي يصح في هذا هو تحريق علي رضي الله عليه للمرتدين إلا أنه معارض بما رواه البخاري في صحيحه عن عكرمة أن عليًّا رضي الله عنه حرق قومًا، فبلغ ابن عباس فقال:"لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لاتعذبوا بعذاب الله؛ ولقتلتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ".
فهذا فعل صحابي عارضه قول لصحابي عضده النص، وعند الأصوليين لا خلاف في تقديم قول الصحابي الذي يعضد بالنص على فعل صحابي آخر مجرد من النص.
(1) المغني (9/ 230) .
(2) تاريخ مدينة دمشق لإبن عساكر.