بذل لأخيه من ذلة وحنَّ عليه ورحمه، كما أن الوالد الرؤوف بولده هو أعلى منه قدرًا، ومن باب الخيرية المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) .. وفي الحديث (من تواضع لله رفعه) : رواه: أبو نعيم في الحلية عن ابي هريرة مرفوعًا.
هذا كله يستشعر في استعمال (على) في (( أذلة على المؤمنين ) )، وهي ليست بأحاجي ولا تحتاج إلى كثير من الذكاء لتفهم وتستوعب، بل تحتاج إلى إحساس ورحمة وذوق لتستشعر وتذاق، ولا يعرف طعمها على الحقيقة إلا من كان كالنائحة الثكلى المكلومة على أبناء دينه ..
لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه
ومن لم يذقها فقد حرم من خير عظيم ولذة خاصة لا يعرفها كل جعظري جواظ، فقط مغتاظ، كاذب في دعوى المحبة والأخوة والبكاء على أهل هذا الدين ... .
هذه العبر والدروس المهمة يحتاج إليها كل من ينتسب إلى الدعوة والجهاد ... ويحتاج إليها أكثر وأشد حاجة بصفة خاصة أصحاب العقول الصغيرة والأحلام الفقيرة، والألسنة الطويلة والأقلام المسمومة لا على أعداء الملة والدين، بل على أنصار الدين؟؟
أصحاب القلوب التي تتغيظ على إخوانهم غلاَ وإساءة ظن وحسدًا وبغظًا وأحقاد لا تليق بصاحب دعوة أو جهاد، قلوب ليست سويه لا سليمة ولا نظيفة، بل تحتاج إلى أن تنظف وتنقى وتزكى، وأن يبكي أهلها تضرعًا إلى الله داعين مرديين (( ربنا إغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك إنك رؤوف رحيم ) )فهذا هو حال ودعاء المصطفين من أتباع الأنصار الأولين الذين امتدحهم الله ممن جاؤوا ويجيؤون بعدهم ويسيرون على دربهم ... ومن لم يكن على هذه الصفة فليس من أولئك ولا من هؤلاء، ولم يتذوق طعم المحبة الربانية والأخوة الإيمانية ..
يقول بعض الحكماء في وصف الحب، ليس الحب أن يحدق إثنان في بعضهما البعض، أو أن يتيه أحدهما في عيني الآخر، بل أن تنظر عيناهما في نفس الإتجاه ويتطلعان إلى نفس الأماني، ويتناغمان على نفس النهج، ويسعيان إلى نفس الأهداف، ويتقاسمان همًا واحدًا أو مشروعًا مشتركًا ويكفيهما رغيف واحد عند الضرورة، يكفيهما سقف خيمة صغيرة. لامانع عندي من الإسترسال في مثل هذا حتى تنقلب هذة الأوراق إلى اللون الوردي وتتلون ببعض الزهور وتتزين ببعض القلوب وما شاكلها إذا كان بعض الناس لا يستوعبون الحديث عن الحب والمحبة إلا بذلك، إن المحب يحمل هم محبوبه، ويحدب عليه ويرأف به ويعطف عليه