فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 302

ويبكي من أجله ... وليس محبًا ولن يكون محبوبًا من يسعى في الإضرار في أخيه ويتصيد عثراته وتقر عينه بأخطائه، وفي المقابل يحزنه نجاحه، ويكدره فلاحه ويتغيظ لتوفيقه وسداده، فهذا لم يفقه ولا وعى بل لم يستشعر أو يحس أو يتذوق معنى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (المؤمنون كرجل واحد) ولو أنه كان يرى أنه وإخوانه نفسًا واحدة وشيئًا واحدًا، وأن خسارتهم من خسارته، وأن عثرتهم هي عثرته وسوءتهم تسوءه، ومسرتهم تسره على الحقيقة، لكان معهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولكان معهم كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضًا ولاستوعب واستساغ قول المقنع الكندي الذي لايمكن أن يستسيغه أو يستوعبه أو يفهمه كثير من الجهال في الحب والأخوة.

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ...

لهم جل ما لي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا ...

ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

لا أشك أن هذا النظم صعب جدًا وعسير عند من لم يتذوق طعم المحبة والأخوة وعند من لم يفقه أن المسلمين كالنفس الواحدة ...

لقد علمنا ربنا عز وجل كما في سورة النور أن إحساننا الظن في المؤمنين هو إحسان الظن بأنفسنا وبديننا وبدعوتنا ونهجنا لأننا كنفس واحدة ... فقال تعالى في نقض حكاية الإفك .. (( ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين ) )...

ولله در أبي أيوب ما أفقهه وما أحكمة وما أعقله وما أحلمه وما أكمله وما أشرفه حين قالت له زوجه أم أيوب: يا أبا أيوب، اما تسمع مايقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟

قال: نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خيرًا منك ... وقد قيل أن الآية نزلت فيه وفي صاحبته لله دره ... فتعلموا منه حسن الظن بأنفسكم كما قال تعالى (( بأنفسهم ) )أي والله (بأنفسهم) لو كانوا يشعرون أو يحسون ولا أقول لو كانوا يفقهون ... فلو أحسها أصحاب العقول الصغيرة والألسنة الطويلة لتغيرت أحوالنا ولكسبنا وحافظنا على كثير من الوقت المهدور في مطالعة وسماع أو رد سخافاتهم، ولزال كثير من وهننا ولصلح كثير من أحوالنا، ولقوي بنيانا ورص صفنا ولها بنا عدونا ... فهل يحسون ويشعرون أو يشمون على الأقل شيئًا من ذلك الشاعر المكلوم حين قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت