ومن القرائن المهمة تنسيقهم مع جبهة النصرة منذ البداية مع كونها تابعة لتنظيم القاعدة وعلى قائمة الإرهاب، وكذلك عدم اعترافهم بالائتلاف الوطني وما انبثق عنه، وهكذا أصبحت القرائن متعارضة فرجعنا إلى الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ومن أعظم ما يدل على ذلك حديث أسامة -رضي الله عنه- قال: (بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي، فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذًا، قال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) ، وفي رواية لمسلم (أفلا شققت عن قلبه لتعلم أقالها أم لا) ، ففي هذا الحديث بيان أن أسامة -رضي الله عنه- ظهرت له بعض القرائن على كون الرجل ليس بصادق في دعواه الإيمان، بدلالة قتاله في أول الأمر ثم هربه، وأنه لم ينطق إلا بعدما أدركه السيف، لكنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ردَّهُ إلى الحكم بالظاهر وإيكال السرائر إلى الله -جل وعلا- وزجره على ذلك زجرًا شديدًا في بيان واضح أن العبرة في هذه الأحكام العظيمة وأمثالها بالظواهر، وأما القرائن فلا تستقل في إثبات أمثال هذه الأحكام والله تعالى أعلم.
وتجدد الإشارة هنا إلى أنَّ قبول الدعم من قبل بعض الجهات الكافرة، واستغلال تقاطع المصالح في دفع النظام النصيري وحزبه من روسيا وإيران، وكذلك السكوت عن الإشارة إلى بعض القضايا التي يمكن تأجيلها لا يوجب الإثم فضلًا عن أن يكون موجبًا للكفر، وإن كان الغالب أنّ ذلك يكون منزلقًا خطرًا لا يلبث صاحبه أن يقدم التنازل تلو التنازل، ومن هنا تأتي أهمية التحذير والحذر والمناصحة لمن سار في هذا الطريق، كما جاء في كلمة الشيخ أسامة -رحمه الله- التي وجهها لبعض الفصائل الجهادية في العراق محذرًا لها من هذا المنزلق الخطير، والتي نقلها الكاتب -وفقه الله- غير أن الشيخ لم يحكم على تلك الفصائل بالكفر والردة لأجل ما وقع من القتال والنزاع بينها وبين الدولة الإسلامية في العراق، وكذلك لم يحكم الشيخ أبو عمر البغدادي على جميع تلك الفصائل بالكفر والردة عن الدين بناء على ما حصل بين الدولة وبينها من القتال والنزاع.
وإن من أعظم الأدلة على وجوب بناء الحكم على الظواهر وإيكال السرائر إلى الله هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع المنافقين حتى كان يقبل ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله مع وجود قرائن النفاق في صفحات الوجوه وفلتات الألسن، وإن من أخص صفات أهل السنة أنهم يقولون الحق ويرحمون الخلق ويجاهدون مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، ومن قول الحق الإنكار على الطوائف والجماعات الواقعة في بدع الإرجاء أو التساهل في الولاء والبراء كالجبهة الإسلامية وغيرها، ومن الرحمة بالخلق العدل معهم والتعاون معهم على الجهاد في سبيل الله وتحكيم شريعة الله وتفاصيل تعامل أهل السنة مع أهل البدع تختلف باختلاف الأحوال والظروف ومراتب البدع -والله أعلم-.