5 -لكن ههنا ضابط مهم لهذا الأمر وهو أن تكون الغلبة والهيمنة في هذا التحالف لأهل التوحيد كي يكون هم من يقطف الثمار ولا يذوبوا في الآخرين أو يقطف الثمار من لا يهمهم حكم الله ولا شرعه، وهكذا كان حال خزاعة مع النبي صلى لله عليه وسلم كانوا تبع ولم يكونوا متبوعين وكان مهيمن عليهم ولم يكونوا مهيمنين، فمن قاس على ذلك فليضبطه بهذا الضابط وإلا فليذر ذاك القياس؛ فقد تكررت في ساحات الجهاد المختلفة تجارب مريرة قطف ثمرتها وتسلق على جماجم الشهداء وأشلاء الأبطال من حكم المسلمين بعد ذلك بحكم الطاغوت.
ونخلص من هذه المقدمات أن ما يجري على الساحة الشامية من اقتتال بين الفصائل المسلمة أمر محرم مذموم شرعا بل هو من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصفه بأنه كفر .. كما في حديث سعد ابن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ , وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ) .
وبشر أهل هذا القتال الحريص بعضهم على قتل بعض بالنار، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله؛ هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) متفق عليه. وفي رواية للبخاري: (إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلاَهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ قِيلَ فَهَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ) .
ويحمل الكِفْل الأعظم لهذه الكبائر الموبقات من سارع فيها وابتدأ القتال وتجرأ وجرأ عليه وأبى الإصلاح وتحكيم الشرع الذي فيه حقن الدماء ورد الحقوق إلى أهلها؛ ومثل هذا البادئ يجوز دفع صياله بالأولى فالأولى، ولا يبادر إلى القتال إلا إذا أحوجت إليه الضرورة؛ فإن دفع بالوعظ والترهيب والترغيب والشفاعة والوساطة والتحكيم والقضاء .. لم يجز دفعه بالقتال.
وأما إن كان ضرره متعديا وعظيما، وفي تسلطه سفك للدماء وهتك للحرمات، وتسلط وتحكيم للغلاة والمجرمين في رقاب وأعراض المسلمين، ولا يندفع مثله إلا بالقتال جاز دفعه به؛ فقد قاتل علي الخوارج لما سفكوا الدم الحرام وأنام عدوانهم وكف أذاهم عن المسلمين؛ ولذلك قال شيخ الإسلام في أمثالهم: (وقد اتفق الصحابة والعلماء بعدهم على قتال هؤلاء؛ فإنهم بغاة على جميع المسلمين، سوى من وافقهم على مذهبهم، وهم يبدؤون المسلمين بالقتال، ولا يندفع شرهم إلا بالقتال، فكانوا أضر على المسلمين من قطاع الطريق) .
ولا يقال في مثل هذه الأحوال أن القتال قتال فتنه ويجب اعتزاله والهرب منه بل نصرة المظلوم واجبة وكف الظالم واجب قدر المستطاع، وهذا هو المعنى الشرعي الذي فَسَّر به رسولُنا صلى الله عليه وسلم قوله: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) .
قال الطبري: (لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن