ولسنا من علماء السلاطين حتى نلجأ عند الخصومة إليهم أو نفتي بذلك بل ننكر هذا الفعل كما كان ينكره شيخنا ابن تيمية حيث قال في (مجموع الفتاوى 2/ 4/277) : (و لهذا نجد هذا الصنف من الفقهاء يدخلون في كثير من أهواء الملوك والحكام، ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم، بناء على أنّهم أهل العدل وأولئك بغاة، وهم في ذلك بمنزلة المتعصّبين لبعض أئمّة العلم أو أئمّة الكلام أو أئمّة المشيخة على نظرائهم مدّعين أنّ الحقّ معهم، أو أنّهم أرجح بهوى قد يكون فيه تأويل بتقصير لا باجتهاد، وهذا كثير في علماء الأمّة وعبّادها وأمرائها وأجنادها، وهو البأس الّذي لم يرفع بينهم، فنسأل الله العدل، فإنّه لا حول ولا قوّة إلاّ بالله) اهـ.
يجب أن يعلم الجميع أن الراجح من أقوال أكثر العلماء عدم تكفير الخوارج قال الحافظ ابن حجر في الفتح (12/ 314) : (وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْأُصُول مِنْ أَهْل السُّنَّة إِلَى أَنَّ الْخَوَارِج فُسَّاق وَأَنَّ حُكْم الْإِسْلَام يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَان الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا فُسِّقُوا بِتَكْفِيرِهِمْ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيل فَاسِد وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اِسْتِبَاحَة دِمَاء مُخَالِفِيهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَالشَّهَادَة عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْك) اهـ.
وقَالَ اِبْن بَطَّال: (ذَهَبَ جُمْهُور الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْخَوَارِج غَيْر خَارِجِينَ عَنْ جُمْلَة الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ"يَتَمَارَى فِي الْفُوق"لِأَنَّ التَّمَارِي مِنْ الشَّكّ، وَإِذْ وَقَعَ الشَّكّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُقْطَع عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِسْلَام، لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْد الْإِسْلَام بِيَقِينٍ لَمْ يَخْرُج مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ) اهـ.
وقال النووي في شرح مسلم (2/ 50) : (الْمَذْهَب الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ: أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُكَفَّرُونَ كَسَائِرِ أَهْل الْبِدَعِ) اهـ.
ونقل الخطابي الإجماع على ذلك فقال: (أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم، فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام) اهـ.
كذلك ينبغي أن يعلم أن طرق القتال والاقتتال الجارية بين طوائف المجاهدين في الشام أكثره غير شرعي فإن دفع الصائل لا يبادر فيه إلى القتل حتى يستنفذ ما هو دون القتل من وسائل يمكن بها دفع الصائل وكذلك الباغي حتى لو كان خارجيا لا يبادر إلى قتاله حتى يناقش وتزال شبهته أما المبادرة إلى سفك دم كل مخالف ومن لم يبايع أو من تعده الطائفة خارجا عليها، فهذا ليس من طريقة السلف بل من طريقة ملوك الجور والطغاة الظلمة، ولذلك نص العلماء على أنه (إذا تغلب قوم من المسلمين على بلد وخرجوا من طاعة الإمام - المتفق عليه - دعاهم إلى العود إلى الجماعة وكشف عن شبهتهم، ولا يبدأهم بقتال حتى يبدأوه) وما نراه من سفك الدماء والمسارعة في قتل كل من نقض البيعة أو تهديد من لم يبايع بالقتل .. كله محرم وتعامل غير شرعي بل هو سلوك جائر إجرامي؛ سيلقاه أهله في صحائفهم يوم الوقوف بين يدي الله: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} .