هذا الواقع، وهذا الإيثار، وتلك الروح الجهادية التي لامستها بين المهاجرين لم تكن للأسف الشديد بين الأمراء سواء كانوا مهاجرين أو كانوا من الأنصار، بل كان للأسف الشديد حظوظ النفس، والغيرة، والشحناء، والبغضاء، والمكر هو السمة الغالبة، ولقد أُنبئت بذلك من بعض الأنصار وأنا لا أزال في المعسكر.
وحينما تخرّجنا من المعسكر وذهبنا إلى ممارسة أعمالنا لاحظته بشكل واضح، وكل الإخوة الذين يعرفونني حيث كنت في النوفلية يعرفون كيف كاد للأمراء وسُفّرت إلى درنة عقوبة حتى يتخلصوا من وجودي هناك، لأنه بناءً على البغضاء والحسد كان يجب إقصائي لأني لم أكن الشخص الإمعة الذي يكون غيابه ووجوده سيّان، ولا أزكي نفسي، ولا أزكي على الله أحدًا.
بعد وصولي إلى درنة بقليل بدأت عملي كمدير في المحكمة الإسلامية الموجودة في درنة التابعة لتنظيم الدولة، ونظرًا لقدر الفوضوية التي تشهدها الدولة في درنة كنت منغمسًا فيها، وقد أُتيحت لي بعض الفرص القليلة حينما سَألت عن تنظيم أبو سليم قالوا هؤلاء مرتدون، قلت وما السبب؟ قالوا إنهم يوالون الطواغيت ويحرسونهم. هذه معلومات كانت شاملة.
وأنا للأسف الشديد قصّرت عن غير عمد في تقصي الحقائق، وذلك نتيجة لشغلي، ونتيجة لانغماسي، وما استطعت أن أتبيّن من صحة هذه المعلومات، وما مدى مطابقتها للواقع؛ فكان تصوري المبدئي أن جماعة أبو سليم على غالب الظن مرتدون.
وإن لم يكونوا مرتدين فهم ليسوا بالمجاهدين، يعني بعيدين جدًا عن الجهاد. لاحظت في أيامي الأولى أيضًا يعني مما أُخبرت به أنهم على الثغور وأنهم يحاربون حفتر، وكانت مسألة غريبة، وطبعًا ما استوفيت المسألة حقها في البحث نظرًا لشغلي، ونظرًا لتقصيري، أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتجاوز عني.
بعد مرور خمسة أسابيع على الأكثر من وجودي بدأ الاشتباك؛ قُتل ناصر العكر، وقُتل شخص آخر، وفي يوم الأربعاء بدأ الاشتباك وقالوا أبو سليم خرجت على الدولة وتريد إقصاء الدولة، فذهبت وسارعت إلى المحكمة حيث أني مدير للمحكمة، وكنت مع مجموعة من الإخوة في داخل إطار المحكمة باعتبارها إحدى أهم رموز الدولة لتأمين حمايتها وللدفاع عنها ضد هؤلاء الذين خرجوا على الدولة وخرجوا على الشرع وخرجوا على تطبيق الشريعة كما يبدو لنا، وأغلب الظن أنهم مرتدون وإن لم يكونوا مرتدين فهم بغاة في أقل أحوالهم، هذا ما كنا نتصوّره.