فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 302

وأورد على هذا التأويل بعضهم ما يُعكِّر عليه من رواية سعيد بن مسروق قال: (من الإسلام) بدلًا (من الدين) ، قالوا:"والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام كما فسرته الرواية الأخرى"، لكنهم عادوا لنفس النتيجة وهي عدم التكفير حين قالوا:"وخرج الكلام مَخْرَج الزَّجْر وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل"، والمراد بالكمال هنا: واجبات الإسلام وليس مستحبَّاته؛ لأنَّ الوعيد لا يرد على خروج من مستحب.

وعلى هذا التأويل فقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قَتْل عاد) ، يُحمل على تشبيه قَتْلهم بقتل عاد، أو بقتل من لا يتورَّع بقتله من الكفار؛ أو يُقتلون قتلًا ذريعًا لينكفَّ شرُّهم كعاد وثمود، وليس المراد أن حكهم في الكفر كحكم عاد.

ثالثًا: خلاصة القول في تكفير الخوارج:

اعلم أن القول بتكفير الخوارج قول مرجوح، جمهور العلماء على خلافه؛ قال ابن بطال كما نقل الحافظ عنه في (فتح الباري) :"ذهب جمهور العلماء، إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين، لقوله -أي في الحديث-: (يتمارى في الفوق) لأنَّ التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يُقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين. قال: وقد سئل عليّ عن أهل النهر، هل كفروا؟ فقال: مِنَ الكُفر فرُّوا."اهـ.

بل بالغ الخطابي فنقل الإجماع على ذلك فقال:"أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم، فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وقبول شهادتهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام."اهـ.

فإن أراد بذلك من أدرك أوائلهم من الصحابة والتابعين فيصح، وأما من بعدهم فقد تشعَّبت فرق الخوارج ويصعب ادِّعاء الإجماع فيها. ومما يعضد ذلك ما صح نقله إلينا من توريث الصحابة والتابعين ورثة حروراء ودفنهم في مقابر المسلمين وإجراء أحكام الإسلام عليهم. وكونه قد صح عن بعض أهل العلم بعد ذلك تكفيرهم لبعض فرق الخوارج، كمن أنكروا سورة يوسف ونحوهم ممن ارتكبوا ما يُوجب تكفيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت