وقال ابن قدامة في (المغني) [8/ 106] :"الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب، ويكفِّرون عثمان وعليًا وطلحة والزبير، وكثيرًا من الصحابة، ويستحلُّون دماء المسلمين وأموالهم، إلا من خرج معهم، فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة، حكمهم حكمهم. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور الفقهاء، وكثير من أهل الحديث."اهـ.
وقال الشاطبي في (الاعتصام) [2/ 185] :"وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم"اهـ.
وقال شيخ الإسلام في (منهاج السنة) [5/ 247] :"ومما يدل على أن الصحابة لم يكفِّروا الخوارج أنهم كانوا يصلُّون خلفهم، وكان عبدالله بن عمر وغيره من الصحابة يصلُّون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضًا يحدِّثونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلمُ المسلمَ، كما كان عبدالله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله عن مسائل وحديثه في البخاري، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان، وما زالت سيرة المسلمين على هذا؛ ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق."
هذا مع أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقتالهم في الأحاديث الصحيحة، وما روي من (أنهم شر قتلى تحت أديم السماء خير قتيل من قتلوه) في الحديث الذي رواه أبو أمامة رواه الترمذي وغيره؛ أي أنهم شر على المسلمين من غيرهم فإنهم لم يكن أحدٌ شرًا على المسلمين منهم لا اليهود ولا النصارى، فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرّين لهم، وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المُضِلَّة.
ومع هذا فالصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكفِّروهم، ولا جعلوهم مرتدين ولا اعْتَدَوا عليهم بقول ولا فعل، بل اتقوا الله فيهم وساروا فيهم السيرة العادلة."اهـ."
وتأمل إلى كلامه الأخير فإنه من عدل السلف الذي تضيق به صدور الخلف ممن حُرموا هذا العدل وتحكَّمت بهم حظوظ النفس والأهواء كما تحكمت بالخوارج، ويريدون أن يسيروا فيهم سيرة لا شرعية بل دولية طاغوتية.