الصفحة 81 من 155

لكن الأمريكان هم الذين أعلنوا الهزيمة. فهزيمة العدو ليست بتدمير رجاله وعتاده، هذا جزء من الهزيمة، تعريف هزيمة العدو هي أن تُدمِّر الرغبة في الحرب، هذه هي الهزيمة، الأمريكان قُتِل منهم 73 ألف أو 76 ألف ودمَّر الفيتناميون رغبتهم في الحرب.

الروس كذلك لم يُقتَل منهم عدد كبير، الاتحاد السوفيتي لم يُقتَل منهم عدد كبير، ولم تُدَمَّر لهم آليات تُعادل جيشهم ... عدد قوات الاتحاد السوفيتي 4 مليون جندي معنى ذلك أنك لو قتلت مليون في أفغانستان لن يتأثروا، والأفغان قُتِلَ منهم مليون ونص تقريبًا بينما لم يتجاوز عدد قتلى الاتحاد السوفيتي 50 ألف، لكنه هو الذي أعلن الهزيمة وهو الذي فاوض المجاهدين، يريد أن ينسحب من ممرات آمنه بشرط أن لا يضربه المجاهدون أثناء الانسحاب.

فتجد أن الذي خسر أكثر من مليون ونص قتيل هو الذي انتصر، والذي خسر أقل هو الذي هُزِم، فأنت دمرت رغبة العدو وإصراره على الحرب.

لذلك تجد جيوش لن تُضَّر أبدًا، يعني مثلًا الجيش العراقي هُزم في حرب الخليج الثانية لكن الذي دُمِّر من قواته من خلال الضربات الجوية أو البرية دُمّر 15% من قواته لكنه أعلن الهزيمة، فجيش العدو قد لا تَمَسَّه بسوء فلا توقع فيهِ نكاية كبيرة ولكن العدو يُعلن هزيمته، وقد تُدَمِّر قوات العدو تدميرًا كاملًا ويعود من جديد ويبدأ بالقتال وينتصر، كما فعل البريطانيون في الحرب العالمية الثانية؛ دُمِّروا تمامًا حتى دعى تشرشل ( Winston Churchill) رئيس وزراء بريطانيا الناس إلى أن يأتوا بالقدور والصحون من بيوتهم ليدخلوها المصانع لتُعيد تصنيعها كطائرات للحرب، وبالفعل صنعوا من القدور طائرات وبدأوا الحرب وانتصروا.

الطالبان كذلك فقدوا جميع الأراضي وخرجوا من كل الأراضي ولكن الأمريكان لم يهزموا الطالبان، هم سحبوا منهم الأراضي واستطاعوا أن يسيطروا على أراضيهم واستطاعوا أن يضربوا أماكن تواجدهم ويوقعوا فيهم شيئًا من الخسائر من خلال ضربات جوية مكثفة لم يشهد لها التاريخ مثيل، فالطالبان لم يُهزَموا بل انسحبوا ليبحثوا عن ميدان وأسلوب يمكن لهم أن يواجهوا العدو به.

إذًا لم يَصِل التحالف الصليبي إلى هزيمة الطالبان، لم يصل إلى معنى الهزيمة لدى الأفغان لأن الهزيمة هي أن تُدمِّر رغبة العدو في مواصلة القتال، هذه هي الهزيمة، هذه الرغبة لم تُدمَّر لدى الطالبان، وإن دمرت الأشياء على الأرض. ولذلك الطالبان بعدما انسحبوا من المدن تجد أن خسائر العدو أكبر منها قبل أن ينسحبوا، فالذي يقول أن جيوش التحالف الصليبي انتصروا وأن الطالبان هُزِمَت هذا لا يعرف معنى الحروب العسكرية، وبينهم وبين الانتصار مراحل كبيرة جدًا، بدأت الكفّة الآن ترجح باتجاه المجاهدين على دول التحالف.

على كُلِّ حال أنت في المرحلة الأولى (مرحلة الاستنزاف ومرحلة المناوشة) تحتاج إلى استنزاف عدوك أكثر من حاجتك لقتل أعداد كبيره منه، تحتاج إلى تشتيته، تحتاج إلى إحباط معنوياته، تحتاج إلى نشره على أكبر وأوسع رقعة لأنه إذا انتشر يحتاج إلى جيوش إمداد ويحتاج ويحتاج ...

فأنت بحاجة إلى أن توصله إلى هذه المرحلة .. ففي هذه المرحلة أن تضرب وتهرب وتختفي وتضرب في مواطن الضعف، إذا رأيت عدوك متواضعًا لا بُدَّ أن تُحَمّلهُ على الغطرسة لا بُدَّ أن تَستَضعِف أمام عدوك لفترةٍ ما تُحَمّلهُ فيها على الغطرسة، وهذا ما استطاع الإخوة في أفغانستان أن ينفذوه بكل جدارة؛ انسحبوا من جميع المدن وبقوا في «تورا بورا» أشغلوا العدو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت