أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" [1] . ويقول الشاطبي رحمه الله:"فالقرآن -على اختصاره- جامع، ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات، لأن الشريعة تمت بتمام نزوله" [2] . والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع: هو القياس، وما يلحق به من قواعد الاستدلال، أو مناهج الاجتهاد [3] ، وهو ما نسميه بـ"أصول الفقه"."
وحيث ثبت طبيًا وبالمشاهدة أن المخدرات تغيب العقل وتضر بالبدن كالخمر أو أشد فإن حكمها يكون كحكم الخمر بالقياس عليه، أي تقاس المخدرات على الخمر في الحكم لاشتراكهما في علة الحكم، لأن المخدرات تدخل في عموم المسكرات التي تغيب العقل وتحجبه، وتضر بالفرد والمجتمع، وهذا ما ثبت بالدليل والبحث.
ومن هنا فقد اتفق الفقهاء المتأخرون ممن يعتد برأيهم على تحريمها، رغم عدم ورود نص خاص أو إجماع سابق على حكم المواد المخدرة، ولم يختلفوا في ذلك، وإنما كان الاختلاف عند الفقهاء المتقدمين قبل أن يفشوا أمر المخدرات، وتظهر آثارها السيئة. وفي هذا المعنى ما صرح به الكمال بن الهمام: حيث ذكر أن مشايخ المذهبين من الشافعية والحنفية اتفقوا على الفتوى بحرمة أكل الحشيش، وهو المسمى بورق القنب، بعد أن اختلفوا، لأن المتقدمين لم يتكلموا فيها بشيء، لعدم ظهور شأنها فيهم، فلما ظهر من أمرها من الفساد الكثير وفشا، عاد مشايخ المذهبين إلى تحريمها [4] .
ومن الأدلة على تحريم المخدرات:
1 -قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [5] . ومعلوم أن تعاطي المخدرات يهلك الفرد، ويضر الأسرة، ويدمر المجتمع،
(1) الشافعي، محمد بن إدريس (ت 204 هـ) : الرسالة، تحقيق أحمد شاكر، دار الكتب العلمية بيروت، ص 20.
(2) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات في أصول الأحكام، تصوير دار الفكر، 3/ 216، 217.
(3) الجويني، أمام الحرمين، عبد الملك بن عبد الله (ت 478 هـ) : البرهان في أصول الفقه، تحقيق د. عبد العظيم الديب، دار الأنصار، القاهرة، الطبعة الثانية 1400 هـ 2/ 743.
(4) الكمال بن الهمام، محمد بن عبد الواحد: شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ط 2، 3/ 490 - 491.
(5) البقرة: الآية 195.