الصفحة 18 من 73

مقاصد الشريعة الذي امرنا بالتشبع به في تنظيماتنا مادام المقصد العام من الشريعة هو حفظ نظام الوجود الدنيوي و استدامة صلاحه الإنساني.

إدا كان خالق الإنسان هو الدي أنزل الشرع فلا يتصور أن يتناقض شرعه مع الفطرة الإنسانية لقوله تعالى:"إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء"- سورة آل عمران، 5 - أعني بالفطرة كمبدإ من المبادئ التي يقوم عليها الفكر المقاصدي جملة من الإمكانات الإنسانية، الجسدية و العقلية التي تتسق و تتطابق مع ما جاء به الشرع الإسلامي. اتساق و تطابق يبرز في التلازم بين الفطرة بهدا المعنى و بين سنة التكليف كما هو واضح في قوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها"- سورة الروم، جزء من الآية 30 - .إن الدي خلق النوع الإنساني هو الدي شرع لهم الأحكام التي تصلح لهم، لقوله تعالى:"يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر"- سورة البقرة، 185 - .و هو أيضا الدي علم و يعلم ما هم في حاجة إليه لقوله تعالى:"ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير"- سورة الملك، 14 - .و انطلاقا من هدا التلازم يتعين على علماء الإسلام التعرف على علل الشرع و مقاصده، ظاهرها و خفيها فإن بعض العلل قد يكون خفيا. و هنا يتفاوت العلماء.

لقد سبق لفقيه المقاصد في العصر الحديث أن بين أهمية الفطرة في فقه الشريعة و مقاصدها، فكان من جملة ما نبه إليه في هدا الصدد قوله:"إن كل فعل يحب العقلاء أن يتلبس به الناس و أن يتعاملوا به فهو من الفطرة، و كل فعل يكرهون أن يقابلوا به و يشمئزون من مشاهدته و انتشاره فهو انحراف عن الفطرة. فإدا تعارض فعلان أو خاطران مما تقتضيه الفطرة وجب اختيار أعرقهما في المعنى الفطري أو أدومهما، أو أشيعهما في الناس، أو أليقهما بالإشاعة في البشر، على أنه إدا أمكن رعي أحد الفعلين في بعض الأزمان أو بعض المكنة أو لبعض الأمم ما دام لمقتضيه نساس بحاجة الناس الملحة وجب رعيه، فإدا ضعفت الحاجة إليه رجع إلى غيره" [1] .

ينهل الفكر المقاصدي من هدا الطرح الفطري، و على قدر اتساق الفعل أو التصرف معه يكون الفعل أو التصرف مقصودا في الشرع. و هكدا إن استقراء التصرفات الشرعية من زواج، و إرضاع، و تعاوض، وآداب في المعاشرة، و أحكام في حفظ النفس و الأنساب و الأموال ... و غير دلك كلها مسايرة للفطرة إما لأنها تقيمها

(1) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام لابن عاشور ص: 22. وقد أبرز فقيه المقاصد في العصر الحديث، الإمام محمد الطاهر بن عاشور تسعة مظاهر في تأصيل الفطرة للدين الإسلامي: إصلاح الاعتقاد، وشمولية الإصلاح، والاختصاص بإقامة الحجة، والرأفة بالناس، وامتزاج الشريعة بالسلطان، والصراحة في أصول الاعتقاد. التحرير والتنوير 3/ 194 - 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت