لأنه إذا انخرمت لم يبق للتكليف بالشريعة وللمكلفين بها وجود دنيوي. لذا دارت مرتبة الحاجيات على مرتبة الضروريات، تتردد عليها لتكملها، ويقال مثل ذلك في مرتبة التحسينات، فإنها تكمل ما هو من مرتبة الحاجيات أو الضروريات، فهي كالفرع للأصل ومبني عليه.
عدم اعتبار هذا النوع من العلاقة بين مراتب كليات الشريعة يؤدي إلى الاختلال. فهذا البيع من الضروريات، أما منع الغرر والجهالة فمن المكملات، فلو اشترط نفي الغرر جملة لا نحسم باب البيع. كما يفهم في ضوء هذه العلاقة قول معظم الفقهاء بالجهاد مع ولاة الجور، لأنه لو لم ترك لكان ضررا على المسلمين،"الجهاد فيه ضروري، والوالي ضروري، والعدالة فيه مكملة للضروري والمكمل إذا عاد على الأصل بالإبطال لم يعتبر، ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور".
صفوة القول إن القول بالاتساق في الشريعة قاسم مشترك بين الجميع لأنه مبدأ قرآني، قال تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم". نعم لا شك في ذلك لكنه أمر مختلف فيه لأنه مفهوم مبني ومكتسب. والشاهد على ذلك تفاوت علماء المقاصد في تمثله وبنائه. منهم من طرحه طرحا تجزيئيا، ومنهم من ارتقى إلى طرحه طرحا شموليا. ما أحوجنا اليوم إلى التجدد والتطور في بنائه. فالطرح الشمولي لمفهوم الاتساق من شأنه أن يعكس نظرة موضوعية إلى الشريعة: لا يتعقلها الفقيه المعاصر فحسب في نطاق هموم الفرد وهواجسه المتعددة، بل يفقهها في نطاق هموم المجتمع الذي يحياه. لا سيما والخطاب في القرآني الكريم متجه في معظمه إلى القضايا الكلية للمجتمع الإنساني، بامتداداته وتعقيداته وصيروراته وحركاته ... الاتساق بهذا الطرح الشمولي جهد علمي مستمر لا يتوقف من أجل بناء رؤية شمولية: رؤية أولا للشريعة بحيث تتعاضد معانيها و تتسق مقاصدها، وتترابط أحكامها التفصيلية والإجمالية. ورؤية ثانيا لواقع الوجود الإنساني، الفردي والجماعي والمجتمعي. بذلك نجمع جمعا جدليا بين الإمساك العلمي الإجرائي بالكليات والمقاصد التي تنتظم في إطارها الشريعة، وبين الظفر العلمي النسبي بالقوانين التي تفسر الوجود المجتمعي في عصر من العصور.
يبلور مفهوم التمايز حسا نقديا يحتاجه الفقيه المفتي و يتمثل في الوعي بالتفاوت في مراتب المقاصد الشرعية من جهة، وفي الوعي بالتغاير الطارئ على الوقائع والنوازل من جهة أخرى.
لم أتفرد باستعمال لفظة التمايز، لأن استعمالاتها واردة في القرآن الكريم. من ذلك قوله تعالى:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"سورة آل عمران الآية 179.وقوله تعالى أيضا:"ليميز الله الخبيث من"