الصفحة 27 من 73

الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض"سورة الأنفال، الآية 37. المطلوب، كما يبدو من هاتين الآيتين، أن يميز المؤمنون في مراتب الناس وفي أحوالهم، وفي أوضاعهم ليكون المؤمنون على بصيرة من أمورهم."

كما سبق للإمام بن عاشور رحمه الله أن اعتبر التفكير في التمايز هو الموضوع الأساسي لأي ممارسة علمية لأن به يكون"تميز الخبيث من الطيب فهو عند ذلك التميز تفكير في التمايز" [1] .

و الدي يعنيي من التمايز هو أنه مفهوم نقدي يفرق الفقيه من خلاله بين المراتب وبين المتغيرات. و هكدا إن المقاصد متفاوتة، سواء كانت معاني مقصودة من الخطاب الشرعي، أو كانت غايات مصلحية مقصودة من تشريع الحكم العملي

فالدلالات المفهومة من الخطاب الشرعي متفاوتة المراتب عند أهل المقاصد من الأصوليين. فلا يخفى أنهم رتبوها بحسب اعتبارات متعددة كاعتبار الكيفية واعتبار الشمول وعدمه، واعتبار الوضوح والخفاء، و من ثم برهنوا بهذا الترتيب على البناء التفاوتي للدلالات المقصودة من الخطاب الشرعي .. كما رتبوا مقاماتها بحسب نزول القرآن الكريم وبحسب ورود الحديث النبوي، و من ثم فرقوا في أحوال المجتمع العربي وفي أحوال الرسول. وفي هذا التفريق يتجلى واضحا سعي الشارع التدرجي في الترقي من الأدون إلى الأعلى بمقدار ما تسمح به الأحوال، وفي التيسير من الصعب إلى الأصعب. وفي نظري يشكل التبصر بالمراتب في مقاصد الخطاب الشرعي وم يعنيه من وعي بلوازمها العملية أسبابا للقول بأن أحكام الإسلام لا يمكن تطبيقها دفعة واحدة: أولا لأن الناس منازل في العمل في مندوباتها ومباحاتها وفي الكف عن مكروهاتها. وثانيا لان تغاير أحوالهم قد يؤدي بهم إلى الوقوع، كما قال الأستاد علال الفاسي:"في حالة شبيهة بالحالة التي كان الوحي ينزل فيها على رسول الله منجما فكان يسلك في إقرار الأحكام وتطبيقها طريق التدريج" [2] .

أما الغايات المقصودة من تشريع الأحكام فتنقسم إلى قسمين:

-قسم الغايات أو المقاصد الجزئية، وهي العلل التي استهدفها الشارع في تشريعه لكل حكم من الأحكام الشرعية. و هي مرتبة حسب الوضوح والخفاء، والقطع والظن، والموقع من الحكم، ومدى الانضباط.

(1) أصول النظام الإجتماعي ص: 91 - 92.

(2) علال الفاسي، دفاع عن الشريعة، الرباط، مطابع الرسالة،1966 م، ص: 231

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت