المبدأ في اللغة العربية هو في اسم ظرف من البدء. و البدء افتتاح الشيء. أميز في مبادئ العلم بين نوعين: أحدها عام لا يختص بموضوع محدد، و إنما يناسب كل الموضوعات و يتلائم مع كل المجالات العلمية، يبدو هدا النوع في مبادئ النزاهة و الموضوعية و الأمانة و التريث و غيرها من المبادئ العالمية و الإنسانية. و الثاني خاص بموضوع محدد و بمجال علمي معين دون غيره.
إن المقصود بالمبدإ هنا هو كل ما يعلم بذاته و يحصل عنه العلم بشيء آخر. مبادءى الفكر المقاصدي بهذا المعنى ما يتوقف عليها مسائل و إشكالات هذا الفكر و التي لا تحتاج إلى برهان يثبتها. فلما كانت -وكما قال ابن رشد:"كل صناعة لها مبادئ، و واجب على الناظر في تلك الصناعة أن يسلم مبادئها، و لا يعرض لها بنفي و لا بإبطال، كانت الصناعة العملية الشرعية أحرى بذلك" [1]
هدا مبدإ عظيم من مبادئ الفكر المقاصدي، ليس فحسب لأنه يؤسس للقول بالتعليل في الأحكام التي ينطوي عليها الخطاب الشرعي، و إنما لأنه أيضا مبدأ يرسخ ليقظة دهنية و حركة عقلية لدى كل متفقه في الشرع الإسلامي و لدى كل متفكر في مقاصده. مقتضى هذا المبدا تنزيه الشارع في إنشاء خطابه عن أن ينطوي عن العبث، والاهمال، واللغو بدليل قوله تعالى: وبالحق أنزلناه وبالحق نزل"سورة الإسراء، الآية 105/ وقوله أيضا"إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا"- سورة البقرة، الآية 119 /. فالشارع سبحانه لا يشرع إلا بالحق وللحق، والآيات متضافرة في البرهنة و في الدلالة على هذا المبدأ."
منها قوله تعالى:"أفحسبتم أننا خلقنام عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون"- سورة المؤمنون"الآية 115 - . ومنها قوله"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"- سورة العنكبوت، الآية 36/ ومنها قوله تعالى"وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون"- سورة الدخان الاية 38/.ومنها قوله"وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا"- سورة ص الآية 27/. و منها قوله تعالى على لسان أولي الألباب"ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك"- سورة ال عمران جزء 191/"
(1) ابن رشد، تهافت التهافت مع مدخل و مقدمة تحليلية للأستاد محمد عابد الجابري، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998 م، ص 78