الصفحة 23 من 73

الشرعية و مخارجها إلى ما يوحدها. و ما يوحدها هو المفاهيم، لأن العقل العلمي لا يتعامل مع واقعها المعرفي إلا من خلال المفاهيم، كقوالب ذهنية بقدر ما تنطوي على معطيات متنوعة ومتعددة، فإنها تبرز نظام الفكر المقاصدي و تكشف صور العلاقات بين عناصره و مكوناته المختلفة. و المفاهيم بهدا المعنى ليست محنطة و لا مقدسة لأننا إذا تبينا أن هذا المفهوم، أو ذاك، غير صالح وغير متطابق مع واقع المعرفة المقاصدية، فإن المطلوب دائما وأبدا، هو البحث، وإبداع مفهوم آخر، وليس حصر واقع المقاصد في المفهوم.

الاتساق و التمايز من أهم المفاهيم التي يرتكز عليها الفكر المقاصدي، لقد سبق لي في كتابي فقه العلم في مقاصد الشريعة الأعلام المجالات المفاهيم أن أبرزت كيف تقوم المعرفة المقاصدية على هذبن المفهومين، إذ بحسب القيمة العلمية لهذا أو ذاك، نكون قد جمعنا بين الإحاطة المستوعبة بتفاصيل الموضوع المقاصدي، وبين النظرة الشمولية التي تمكننا من نظم تفاصيله وجزئياته المنتشرة في معنى عام أو في مفهوم كلي.

4 -1 - الاتساق أعني بالاتساق استقامة الشريعة في دهن الفقيه، و انتظامها في فكر المجتهد على نظام واحد غير متخالف ولا مختلف. لقد سبق للإمام الشاطبي أن اعتبر استصلاحات الإمام مالك من جنس الاستدلالات التي لا تصدر إلا من فقيه مدل وعريق في فهم المصالح. نعم هذا لاشك فيه، لكن مع الحفاظ على اتساق الشريعة أي -وكما قال الشاطبي:"مع مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله" [1] . و يكفي من أهمية هدا المفهوم العلمي أنه يبعدنا عن التجزيء و الانتقاء الدان نهى الله تهالى عنهما في قوله:"أفتومنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل دلكم منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العداب و ما الله بغافل عما تعملون"- سورة البفر، جزء من الآية 85 - . و الاتساق نوعان أولهما داخلي والثاني خارجي.

أعني بالاتساق الخارجي عدم تناقض الشريعة مع طاقات المكلفين، سواء في فهم معانيها، أو تعقل علل أحكامها، أو في العمل بأحكامها. فكما يضمن هذا الشطر تنزيه الشريعة عن التهافت، يضمن لأحكامها المستفادة من معانيها وعللها كمال الاتساق الذي هو من مقاصد قوله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم"- سورة المائدة جزء من الآية 4 - .

تناول الأصوليون مضمون و روح هذا الشطر الخارجي من الاتساق في مباحث التكليف بما لا يطاق والأمر بالشيء نهي عن نقيضه والأمر بما لا يتم الواجب إلا به. و

(1) الاعتصام 2/ 132 - 133

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت