يبدو من معالجاتهم لتلك المباحث حرصهم على جريان الاستدلال الفقهي على قيمة اليسر التي حققها الفقهاء في قواعدهم من مثل الحرج مرفوع، الضرر يزال، إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق ... و هكدا إدا كان في المسألة قولان فلا نأخد إلا بأيسرهما و أخفهما. تماما كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما"- رواه البخاري، رقم 6786 -
الفقيه المراعي للاتساق الخارجي هو إلى رخص ابن عباس أقرب منه إلى شدائد ابن عمر: هو شديد الأخد بالرخص في أحوال الضرورة و الحاجة، شديد الاحتفاء بالمخففات المقدرة بقدرها من مرض و سفر و مشقة شديدة و عموم بلوى. الفقيه المراعي للاتساق الخارجي لا يحكم على التصرفات بالحرام إلا على ما علم تحريمه جزما وقطعارسل أحكام والتي نظمها الشاطبي ... في إحدى مقدمات موافقاته بقوله:"كل أصل علمي يتخذ إماما في العمل، فلا يخلو إما أن يجري به العمل على مجاري العدات في مثله بحيث لا ينخرم منه ركن ولا شرط، فإن جرى فذلك الأصل صحيح و إلا فلا" [1] .
والحق أنه على الرغم من الأهمية المنطقية لهذا الصنف من المباحث الأصولية في ضبط الاتساق الخارجي، بل وعلى الرغم من أهمية أساسها المقاصدي، فإنها تظل ناقصة إذا لم يكشف الباحث فيها عن نوع صلة الاتساق الخارجي بمبدإ الفطرة. الفطرة التي ألاحظ مع الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله آخرين [2] غياب التنظير لها عند معظم أهل المقاصد من الأصوليين والفقهاء، اللهم إلا إشارات هنا أو هناك، كما في قول الإمام الغزالي:"ولكون العقل شرعا من داخل قال الله تعالى:"فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" [3] ."
أما الاتساق الداخلي فيمكني أن أميز في تناوله بين مقاربتين: الأولى تجزيئية يقتصر صاحبها في بيان اتساق الشريعة على كشف الارتباطات المختلفة بين ألفاظها. يبدو دلك في دفع التعارض بينها، و في القول بعدم اجتماع النقيضين في أحكامها، وفي مسائل النسخ وأسباب النزول، وفي مسائل الإجمال والخفاء، التواطؤ والاشتراكـ، العموم والخصوص، الإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز ... عالج معظم الأصوليين كل ذلك بمنطق لا يرتقي في الغالب إلى أفق شمولي يتبصر صاحبه بالاتساق بين ألفاظ الشريعة ويجمع أيضا جمعا جدليا بين تلك الألفاظ و بين ما تدل عليه من مقاصد.
(1) يمثل الشاطبي لهذا التأصيل بامتناع التكليف بما لا يطاق، وبامتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد. الموافقات: 1/ 99.
(2) أصول النظام الاجتماعي ص: 21.
(3) 2 معارج القدس للغزالي، نقلا عن جدل النقل والعقل ص: 481.