و المقاربة الثانية مقاربة شمولية للاتساق إد يماثل صاحبها الشريعة بالصورة الواحدة التي يخدم الجزء الواحد والكلية الواحدة منها الأجزاء والكليات الأخرى. بكلام آخر ينطلق صاحب المقاربة الشمولية للاتساق من انتظام أحكام الشريعة و دلالات ألفاظها في الكلية الواحدة التي تنطوي على الأحكام المنتشرة. ما كتبه الشاطبي في الموافقات و في الاعتصام من النمادج الجيدة في هده المقاربة الشمولية. دلك لأن فقيه غرناطة يتصور الشريعة في صورة"الإنسان الصحيح السوي، فكما على الإنسان أن لا يكون إنسانا حتى يستنطق، فلا تنطق اليد وحدها، ولا بالرأس وحده، ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي بها الإنسان كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الإنسان إلا بها" [1] .
و هكدا يثمر التمسك بالاتساق في هذا السياق جملة من الفوائد، منها أن التمسك بالكليات يؤدي بالفقيه إلى حمل الحكم الجزئي الواحد على وجوه كثيرة. أما تمسك بالجزئي"لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكل فثبت في حقه المعارضة، ورمت به أيدي الإشكالات في مهاو بعيدة". يدفع استحضار علاقة الأحكام الجزئة بالكليات العامة إلى الاستدلال على الأحكام الجزئية في ضوء كليات الشريعة ومقاصدها [2] . ولا يعني ذلك لا تركا للكليات ولا تركا للجزئيات، بل يعني الجمع الجدلي الواعي بينهما. علة ذلك أن الشارع كما يوضح الشاطبي"لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد إذ كلية هذا معلومة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة، فلا يمكن، والحالة هذه، أن تخرج القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي" [3] .
تنتظم كليات الشريعة في نسق مقاصدي تلتحم مراتبه في الحفاظ على مقصد الدين، وتتمحور شروط بنائه في ألا تعود مكملات مراتبه على السابق منها بالإبطال. فكليات الشريعة و مقاصدها مراتب ثلاثة: الضروريات والحاجيات والتحسينات، وبينهما علاقات يستحضرها الفقيه عند الاستدلال. فالإخلال بمرتبة الضروريات، خاصة ضرورة حفظ الدين، يؤدي إلى الإخلال بمرتبتي الحاجيات والتحسينات. أما الإخلال بهاتين المرتبتين فيؤدي إلى الإخلال بمرتبة الضروريات، لكن لا في كل الأحوال، بل في بعضها دون البعض. وعليه تؤصل كلية الضروريات الكليات الأخرى،
(1) الاعتصام ج 2 ص: 178 قال الشاطبي في موضع آخر من الموافقات:"إن المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جرت له على قانون النظر، واتسقت أحكامها، وانتظمت أطرافها على وجه واحد"الموافقات ج 3 ص: 78.
(2) قال الشاطبي"من الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس"الموافقات 3/ 8
(3) الموافقات ج 3 ص: 10