الصفحة 2 من 73

طريقا يوصل منه إلى الماء، أو أن يكون مورد الشاربة التي ينحدر منه الناس فيشربون. قال أبو السعود:"الشريعة الطريقة إلى الماء شبه بها الدين لكونه سبيلا موصلا إلى ما هو سبب الحياة الأبدية، كما كان الماء سبا للحياة الفانية" [1] .

واضح ما ينطوي عليه هدا الاستعمال اللغوي لمادة"ش. ر. ع"من فكرة المنفعة أو المصلحة، لذا جعل بعضهم من فكرة المصلحة أو المنفعة أمرا جامعا بين المعنى اللغوي ل"ش. ر. ع"و بين الدين فسموه شريعة. فإذا كانت المصلحة أو المنفعة بالنسبة لشريعة الماء متمثلة في الارتواء و التطهر من الاوساخ، فإنها متمثلة بالنسبة لشريعة الدين في المقاصد التي تنطوي عليها شريعته. و المقاصد التي يتقصدها الشارع مراتب مختلفة، منها ما يحتاج في معرفته و استنباطه إلى إعمال الفكر العلمي على اختلاف درجاته و مستوياته. و منها ما هو واضح نص عليه الشارع في خطابه كالرحمة، و الهداية، و العدالة، و الحكمة، و اليسر ورفع الحرج و غيرها من المقاصد الشرعية،.

فمن مقاصد الشريعة الرحمة لقوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"- سورة الأنبياء، الآية 106 - . ومن مقاصد الشريعة أيضا الهداية لقوله تعالى:"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى"- سورة طه، الآية 121 - 122 - . و من مقاصدها العدالة لقوله تعالى:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط"- سورة الحديد، الآية 24 - . و من مقاصدها الحكمة لقوله تعالى:"وادكروا نعمة الله عليكم و ما انزل عليكم من الكتاب و الحكمة يعظكم به"- سورة النساء، الآية 229 - . و من مقاصدها اليسر و رفع الحرج لقوله تعالى:"و ما جعل عليكم في الدين من حرج".

يتضح من هذا الطرح أن الموضوع الأساسي في مقاصد الشريعة هو المصلحة. نعم لا شك في دلك، لكن لا تتجسد المصلحة داخل بنية هدا الوضوع في منطق الأهواء العارضة و النزوات العابرة، بل المطلوب أن تتسق مع ما يتطلبه التفكير العلمي. فعلى سبيل المثال حرص الشرع الإسلامي على مبادئ العدالة و الإنصاف، و طلب من الإنسان أن ينصف من نفسه و لو كان القضاء إلى جانبه، كما هو واضح من قوله صلى الله عليه و سلم"لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فإنما هي قطعة من النار فليأخدها أو ليتركها". إن ما يهم عالم المقاصد هو مصالح الناس، لكن ليس بحسب ما يقصدونه فقط، و إنما بحسب ما يقصده الشارع. دون هدا الاتساق العلمي مع المقاصد الحق للشرع الإسلامي نسقط في شرك

(1) تفسير أبي السعود، ج 3 ص 158.قال بعض الحكماء:"كنت أشرب فلا أروى، فلما عرفت الله تعالى رويت بلا شرب". الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن ص 451.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت