أثر ذلك واضحا فكم من رجل عنده من الأموال الكثيرة يؤخر زكاة ماله والفقراء من حوله يموتون جوعا، وكم من رجل يموت ويوصي بزكاة ماله -هذا إن أوصى- فلا ينتفع الفقراء من ماله بشيء وربما قام ورثته بنفس فعله فأخروا الزكاة وحصدها من بعدهم بالخلف والمطال وهكذا تؤول الزكاة إلى الترك فيهدم ركنها وينسى فعلها والفقير تحطمه أنياب الدهر بصريفها، وتعتوره بصروفها،
والإسلام حينما حض على الإنفاق وفضل المنفقين على غيرهم أراد من ذلك تعويد المؤمنين على البذل والسخاء ووصولا بهم إلى الواجب عليهم إخراجه من أمر الزكاة فيخرجونها طيبة بها نفوسهم"وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" [1] .
مع أن الإنفاق أصبح عسيرا في أوساط الناس فلم يتبق للفقير إلا حقه الذي أمر الله به فهل يتأتى أن يصل إليه حقه مع القول بالتراخي وسلامة فاعله والفقراء من بني جلده يرقبهم يموتون أمام عينيه.
ثم بجانب هذا هل هذا من باب التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله تعالى به أم هو من باب المسارعة إلى الإثم والعدوان اللذان حذرنا المولى جل وعلا منهما، قال تعالى:"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [2] وهل هو من باب إشاعة الخير بين المؤمنين أم من باب إشاعة الفاحشة بينهم قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [3] .
(1) المعارج: 24 - 25.
(2) المائدة: 2.
(3) النور: 19.