الصفحة 23 من 82

وكما قدمت في السطور السابقة فإن إشاعة الفقر فيه ما فيه من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي تفقد المجتمعات الأمن والطمأنينة وتسوقها إلى الهاوية.

مع أنني أقول إنه لا يمكن استساغة الخلاف الأصولي وحده هنا في هذه المسألة وذلك من عدة وجوه:

أولا: أن الزكاة تجب في المال الذي هو عصب الحياة المادية فبه يقوم الإنسان بشؤونه وعليه قوام كثير من الأمور الاجتماعية فتحكمه بيد جماعة من الناس يجعل الحياة الاجتماعية مختلة النظام وهذا الاختلال يقود إلى الفوضى والفساد الذي حذر منه الله تعالى وحذر منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -كما بينت من قبل-، ولا واجب في هذا المال المحكوم غير الزكاة وشأن ما ذكر من الإنفاق والصدقات كان من باب الندب الذي يرقى به الإنسان عن غيره فإذا تهاون الناس في إخراجها وقع المحذور.

ثانيا: أن تحصيل المال هو دأب كل إنسان وسعي كل مخلوق مصداقا لقوله تعالى:"وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا"، وهذه المحبة يتساوى فيها الفقير والغني فتحكم المال بيد الغني ومنع حقه المذكور فيه يورث البغضاء والشحناء ويزرع الفتن والشقاق، ولا يرتق هذا الفتق غير الزكاة.

ثالثا: أن الزكاة عبادة مالية اجتماعية خالصة بخلاف غيرها من العبادات فالصلاة مثلا والصوم عبادتان بدنيتان والحج عبادة بدنية مالية، وهذه العبادات يتعلق حق الإنسان فيها مع ربه ولكن الزكاة يجتمع فيها حقان حق الله الذي تتساوى فيه الزكاة مع غيرها من العبادات وحق غيره من العباد إذ مبدؤها كما ذكرت من قبل -التكافل الاجتماعي- وكلا الحقين واجبين، ومن المعلوم أن حقوق العباد مبنية على المشاحة لا على المسامحة فمن وجب في ماله حق لغيره وجب عليه إيصاله إليه من غير توان وهل هناك أوجب حقا على الغني من الزكاة الواجبة عليه تجاه الفقير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت