الصفحة 43 من 82

نحن نعلم أن الفقر ليس له بلد يحده ولا زمان يتعين فيه فالفقراء موجودون في مختلف بلدان العالم غير أن حاجتهم تختلف من شخص إلى آخر فنرى بعض البلدان الإسلامية حالها أشد فقرا من غيرها فهل يجوز نقل الزكاة إليها وإن لم يستغن أهلها هذا مما وقع الخلاف فيه وهي مسألة جديرة بالبحث والمناقشة.

وأصل هذه المسألة حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" [1] .

فالضمير في"فقرائهم"هل هو عائد على فقراء تلك البلدة أي بلد المزكي أم هي عامة لكل فقير من فقراء الإسلام، وهذا الاختيار الأخير هو رأي جماعة من علماء الشافعية كالإمام البخاري وابن دقيق العيد وابن الملقن وغيرهم مع أن الشافعية لا يرون جواز النقل [2] ، وعدم جواز النقل هو قول جماهير أهل العلم وبيان هذه القضية في السطور القادمة.

(1) رواه البخاري في صحيحه برقم: 1425، كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة وترد في الفقراء حيث كانوا 2/ 544.

(2) وهو ما أشار إليه النووي بقوله في روضة الطالبين: في جواز نقل الصدقة إلى بلد آخر مع وجود المستحقين في بلده خلاف وتفصيل المذهب فيه عند الأصحاب أنه يحرم النقل ولا تسقط به الزكاة وسواء كان النقل إلى مسافة القصر أو دونها فهذا مختصر ما يفتى به وتفصيله أن في النقل قولين.

أظهرهما المنع وفي المراد بهما طرق أصحها أن القولين في سقوط الفرض ولا خلاف في تحريمه والثاني أنهما في التحريم والسقوط معا والثالث أنهما في التحريم ولا خلاف أنه يسقط ثم قيل هما في النقل إلى مسافة القصر فما فوقها فإن نقل إلى دونها جاز والأصح طرد القولين.

قلت: وإذا منعنا النقل ولم نعتبر مسافة القصر فسواء نقل إلى قرية بقرب البلد أم بعيدة صرح به صاحب العدة وهو ظاهر والله أعلم. روضة الطالبين، لأبي زكريا يحي بن شرف النووي ص:323، دار ابن حزم، ط 1: 1423 هـ-2002 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت