وبجانب هذا حذر من الفقر وعده آفة عظيمة ومعضلة جسيمة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ منه فيقول:"وأعوذ بك من فتنة الفقر" [1] .
وحينما يتصور الإنسان قضية الفقر ويدرك النظرة الصحيحة إليها ويعلم هذه الموازنة الدقيقة للإسلام يستطيع أن يحدد التصرفات الصحيحة التي يدرأ بها عن نفسه شبح الفقر فلذلك حث الإسلام على العمل والسعي والتجارة والزراعة وغيرها ليرفع المسلم من نفسه ويرتفع بها عن دائرة الطلب إلى دائرة التعفف الشريف.
والإسلام حينما يحث على الإنفاق والبذل والصدقة لم يترك مجالا في نفس المنفق أن يظن فيه الخير لنفسه فيصل به إلى أذية غيره فكل تصرف يخرج المال عن الغاية المرجوة تبطل عمله وتذهب بأجره، وهكذا حينما أمر الله تعالى بزكاة هذا المال كان المراد منه تزكية هذه النفس وتطهيرها من الشح والبخل والأثرة، فالمال مال الله والإنسان مستخلف فيه والإسلام حينما يقرر ذلك يجعل المال بين الغني والفقير على السواء فالأول يفتح به أبواب الجنة والآخر يسير به شؤون حياته ليصل في النهاية إلى رضوان الله تعالى أيضا، وفي هذا المقام يقول شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي:"إن نظرة الإسلام إلى المال تباين نظرة جميع الأنظمة البشرية فهو وإن منح الإنسان حق التملك لا يجعله مالكًا حقيقيًا للمال ولذلك لا يمنحه حق مطلق التصرف فيه وإنما مالكه الحقيقي هو الله لذلك كان التصرف فيه لابد من أن يكون مقرونًا بإذنه وهذا ما يفهم من قوله تعالى:"وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (33) "، [النور] ، وقوله:"وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) "، [الحديد] ، وهو يعني أن الإنسان لا يعدو أن يكون أمينًا على المال ومستخلفًا فيه ومن المعلوم أن"
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم 6007، 5/ 2341، كتاب الدعوات باب التعوذ من المأثم والمغرم، وبرقم 6014، 5/ 2344، باب الاستغفار من فتنة الغنى، دار ابن كثير، ورواه مسلم في صحيحه برقم 589، 4/ 2078، كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب التعوذ من شر الفتن.