القول الثاني: يجوز تزويج الصغيرة البكر، أما الثيب فلا تزوج حتى تبلغ وتستأذن، وبهذا قال الشافعي، وابن حزم.
واستدلوا على جواز تزويج الصغيرة البكر بما تقدم من الآية والحديث، وفرّقوا بين الثيب والبكر بحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليّها، والبكر تُسْتأمَر، وإذنها سكوتها» [1] . فقد فرّق الحديث بين الثيب والبكر، وجعل حقّ الثيب في نفسها أعلى من حقّ وليّها، وأقل هذا الحق أن تأذن، ولا يعتبر إذنها قبل البلوغ، فلا تُزَوَّج حتى تبلغ. ونسب ابن حزم هذا القول إلى طاوس، وقتادة، سفيان الثوري [2] .
القول الثالث: لا يجوز تزويج الصغيرة، بكرًا كانت، أم ثيبًا، وبهذا قال ابن شبرمة، وأبو بكرٍ الأصم.
ووجه هذا القول: أنّ الأصل في الأبضاع التحريم، حتى يرد دليل يبيحها، ولم يرد، ولأنّ الصغير والصغيرة غير محتاجين إلى النكاح، وأوّل أصحاب هذا القول زواج النبي - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - من عائشة بأنه من خصوصياته [3] .
لكن لم أجد موقفهم من الآية، فلعلهم لا يرونها نصًّا قاطعًا في جواز زواج الصغير؛ لأن قوله: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} يحتمل اللائي لم يحضن من البالغات ممن لم يبلغن سن اليأس، وهي خاصّة بهنّ.
(1) [4] أخرجه، من حديث ابن عباس: مسلم - واللفظ له (2/ح:1421) والترمذي (3/ح:1108) وأبو داود (2/ح:2098) .
(2) إلاّ أنّ من نسب إليهم ابن حزم هذا الرأي يقولون: إنه إذا بلغ فله الخيار، لكن لو مات أحدهم قبل البلوغ فلا ميراث بينهم. انظر: ابن حزم، الْمُحلَّى (9/ 38،44 ـ 45،مسألة:1826 - 1827) ونسب عبد الرزاق في مصنفه إلى طاوس، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء (6/ 166،ح:10362 - 10363، 10368، 10370) في نكاح الصغيرين القول بأنَّ لهما الخيار، إذا بلغا، من غير تفريق.
(3) اختلفت النسبة إلى ابن شبرمة، فقد قال الرازي: «وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف، عن ابن شبرمة: أنَّ تزويج الآباء على الصغار لا يجوز» . مختصر اختلاف العلماء (2/ 256) وقال ابن حجر في فتح الباري (9/ 190) : «إن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ» . ونسب إليه ابن حزم القول بعدم جواز تزويج الصغيرة حتى تبلغ، ولم ينسب إليه عدم جواز تزويج الصغير، بل نسبه إلى غيره. ونسب إليه السرخسيّ وابن الهمام القول بعدم جواز تزويج الصغير والصغيرة، من غير تفريق منهم، جميعا، بين الثيب والبكر. وروى عنه عبد الرزاق في مصنفه (6/ 166،:10367) : أنه قال: (الصغيران بالخيار إذا أدركا) . وهذه الرواية تسلزم القول بجواز نكاحهما، مع إثبات الخيار. وانفرد السرخسي وابن الهمام بذكر أبي بكر الأصم. انظر: السرخسي، المبسوط (4/ 213) ابن الهمام، فتح القدير 3/ 172) ابن حزم، الْمُحلَّى (9/ 38،44 - 45،مسألة:1826 - 1827) .