مناقشة وترجيح:
الأصل في الأبضاع التحريم، ولا يحل بضع إلا بدليل، فهل أدلة الإباحة قادرة على إثبات هذا الحكم؟
الآيتان اللتان استدل بهما أصحاب القول الأول يدلان بظاهرهما على جواز نكاح الصغيرة، لكن يدخلهما الاحتمال.
فالآية الأولى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} تحتمل اللائي لم يحضن من البالغات، وهي خاصّة بهنّ.
وقول ابن الهمام: «تزوّجُ قدامةَ بن مظعون بنت الزبير يوم وُلدت، مع علم الصحابة نصٌّ في فهم الصحابة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم - عدم الخصوصية في نكاح عائشة» [1] . لا يتعدى فهم الصحابي من الآية عدم الخصوصية، وهو رأيٌ له. ورأي الصحابي مختلف في الاحتجاج به، والراجح - والله أعلم - عدم حجيته.
وقد لخص الغزالي آراء العلماء في مذهب الصحابي، فقال: «ذهب قَوْمٌ إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقًا، وقَوْمٌ إلى أنه حجة إن خالف القياس، وقَوْمٌ إلى أن الحجة في قول ابي بكر وعمر خاصة لقوله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ: «اقتدوا باللذَيْن من بعدي: أبي بكر وعمر» [2] وقَوْمٌ إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا».
ثم ذهب إلى أن هذه الآراء كلها باطلة، وأنَّ (قول الصحابي) من الأدلة الموهومة، واستدل على بطلانها، عقلًا، فقال: «والكل باطل عندنا؛ فإن من يجوز عليه الغلط والسهو، ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة؟ وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟! وكيف يختلف المعصومان؟ كيف وقد
(1) فتح القدير (3/ 172) . وسيأتي تخريج الأثر.
(2) [5] أخرجه الترمذي (ح:2662) من حديث حذيفة، وحسَّنه. وورد من حديث ابن مسعود، وابن عمر. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (ح:1142) .