على ما سار عليه عثمان من إباحة التقاط الإبل، لكنه أمر أن يبني لها بيت تُحفظ فيه، وتعلف علفا لا يُسمنها ولا يهزلها، ثم من يقيم البينة على أنه صاحب شيء منها تعطى له، وإلا بقيت على حالها لا يبيعها [1] .
وهذا العمل - في ظاهره - مخالفة صريحة لما زجر عنه رسول الله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - وغضب منه حتى احمرت وجنتاه!!
لكن لماذا أقدم هذان الصحابيان الجليلان على هذا العمل؟ السبب أنهما نظرا إلى الحكمة من نهي النبي - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - عن التقاط الإبل، فوجدا أن الحكمة منه هو حفظ الإبل لصاحبها؛ لأنَّ الإبل لا خوفَ عليها في الصحراء، من الحيوانات المفترسة، وسيجدها صاحبها في يومٍ ما، أو تعود إليه، والتقاطُها قد يحول دون وصول صاحبها إليها، أو وصولُها إلى صاحبها.
فلما كان عهد عثمان، وعلي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وكثر اللصوص، أصبح ترك التقاط الإبل يعرضها للسرقة، فصار حفظها في التقاطها، فما فعله هذان الصحابيان مخالفة في ظاهرها، موافقة تمام الموافقة في مآلها.
4 ـ وقضى عمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - في رجل تزوج من امرأة معتدة في عدتها، ودخل بها بأنها حرام عليه حرمة مؤبدةً [2] ، مع أنَّ المحرمات من النساء
(1) الباجي، المنتقى (6/ 143 - 144) . وفيه: «وقد رُوِي عن مالك أنه قال: كان عليٌّ بنُ أبي طالب قد بنى للضوال مِرْبدًا (موقفا للإبل) يعلفها فيه علفا لا يُسمنها ولا يُهزلها، من بيت المال فمن أقام بينة على شيء منها أخذه، وإلا بقيت على حالها لا يبيعها. واستحسن ذلك ابن المسيب» .
(2) أخرجه الإمام مالك (2/ 536) والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 441) وابن حزم، المحلى (9/ 72، مسألة:1844) . وانظر: ابن حجر، التلخيص الحبير (3/ 236) . ونصُّ الأثر: (أنّ طُلَيحة الأسدية كانت تحت رشيدٍ الثقفي، فطلقَها، فنَكَحَت في عدّتها، فضربها عمر بن الخطاب، وضرب زوجها بالْمِِخْفَقة ضرباتٍ، وفرّق بينهما، ثم قال عمر: أيُّما امرأةٍ نكحت في عدّتها، فإن كان زوجُها الذي تزوجها لم يدخل بها فُرِّق بينهما، ثمّ اعتدت بقيةَ عدّتِها من زوجها الأول، ثمّ كان الآخر خاطبًا من الخُطاب، فإن كان دخل بها، فُرِّق بينهما، ثمّ اعتدت بقيةَ عدّتِها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثمّ لا يجتمعان أبدًا) .