ولكنهم ومع مذهبهم هذا كانوا في نفس الوقت يحكمون على من قال أو فعل هذه الأقوال والأفعال أنه كافر، وكانوا يرجعون سبب هذا الكفر إلى ذهاب المعرفة أو التصديق، وجعلوا هذه الأقوال والأفعال أمارة ودليلا على الكفر، ولكنهم لم يكونوا يشترطون أو يوقفون الحكم في ذلك على الإطلاع على ما في القلب من الجحود أو الاستحلال أو غيره.
وإن كان هؤلاء بعيدون عن الحق ومذهب أهل السنة، لكنه قد نبتت طائفة في هذا الزمان أصبحوا أكثر بعدا من هؤلاء عن مذهب أهل السنة والجماعة، فاشترطوا لصحة الحكم بالكفر على المكلف أن يكون مكذبا أو جاحدا أو مستحلا، ويحملون الأدلة الشرعية وكلام العلماء على ذلك.
وقالوا: لا يكفر من فعل الكفر أو قاله إلا إذا كان مكذبا أو جاحدا أو مستحلا أو معتقدا لما يفعله أو يقوله من الكفر، ويلتمسون للكفار والمرتدين أعذارا هم لا يعتذرون بها.
فالأولون حكموا بكفر من فعل الكفر أو قاله ولم يشترطوا لذلك شرطا من عمل القلب - الجحود أو الاستحلال - وهؤلاء ما حكموا بالكفر على قائله أو فاعله إلا بشرط الاستحلال أو انتفاء عمل القلب.
هذا وممن أخطأ في هذا الباب الطحاوي رحمه الله حيث قال في عقيدته: ولا يُخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه، فظاهر كلامه أنه جعل الكفر محصورا في الجحود فقط، وهذا مبني على خطئه في مسمى الإيمان حيث أنه قال فيه: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، فليُتنبه إلى ذلك.
وإن من أقوال هؤلاء المخالفين المعروفة والمشهورة في ذلك أن الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بغيره أو يبدل شريعة الله تعالى ويحكم بين الناس ويلزمهم بالقوانين الوضعية الباطلة الكافرة، ويتبنى من الأنظمة العلمانية أو الديمقراطية أو غيرها مما يُصادم أصل الإسلام.