الصفحة 135 من 143

فلقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم والناس في أشد حالات الظلم والعدوان على أنفسهم بعبادة غير الله تعالى، وعلى بعضهم البعض، وكأنهم يعيشون في غابة لا يرحم قويها ضعيفها ولا كبيرها صغيرها، وقد كانت عادة وأد البنات القبيحة خشية الفقر والعار منتشرة بينهم، لم ينج منها شريف ولا وضيع.

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخلق بفضائل الأخلاق وكرائمها، فنهى عن عبادة غير الله تعالى من الأحجار والأشجار والطواغيت الأحياء، وأمر بإقامة العدل والميزان، ونهى عن رذائل الأخلاق فنهى عن التباغض والتحاسد والتقاتل بغير حق، وأمر بأن يعيش الناس إخوانا تظلهم راية التوحيد والعدل والأخوة، فدخل كثير من الناس في دين الله أفواجا لما رأوا من عدل الإسلام ورحمته، ووقف بعضهم حجر عثرة في وجه الإسلام ونكلوا بمن اعتنقه وعذبوهم وآذوهم وشردوهم بل وقتلوا بعضهم، ثم أمر الله تعالى أهل الإسلام بالهجرة إلى ديار الأمن، حتى مكن الله تعالى لدينه بدخول الأنصار في الإسلام أفواجا، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم دوله العدل والقسط والحق كما أمر رب العزة سبحانه.

فالدماء في دار الإسلام محفوظة إلا بحق الإسلام، ومن استقام على التوحيد ولم يقترف ظلما لنفسه أو لغيره؛ فليس لأحد عليه سلطان، وله الأمن في الدنيا والآخرة، ومن أصاب شيئا من الموبقات أو الحدود؛ عوقب بالعدل دون جور أو ظلم.

ولقد سطر التاريخ أروع الأمثلة على عدل أهل الإسلام في كل بقعة نزلوا بها.

فها هي سمرقند؛ شاهد حي على ذلك، فقد روي أهل التاريخ والسير أن أهل سمرقند قد اشتكوا إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز؛ أن جيوش المسلمين قد دخلوا ديارهم دون أن ينذروهم ثلاثة أيام - كما هو الحكم في شريعة الإسلام الرحيمة - فأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بأن يعين قاض للنظر في هذا الأمر، فأمر القاضي جيش المسلمين المنتصر الذي دانت له البلاد؛ بأن يخرج مرة ثانية ثم ينذر أهل البلدة ثلاثة أيام للنظر في أمرهم وتدبير شأنهم، فحرج الجيش المنتصر بعد أن ذاق حلاوة النصر وخضعت له رقاب أعدائه، وكان نتيجة ذلك أن دخل أهل سمرقند في دين الله تعالى بعد أن رأوا عدالة هذا الدين بأم أعينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت