متساوون، ولكنهم يتفاضلون في المنازل والدرجات بالأعمال الصالحة، وكل ذلك مبني على الغلط في الكلام على مسمى الإيمان.
ومذهب السلف أهل السنة أن شعب الإيمان تتفاضل، وأن أهل الإيمان كذلك يتفاضلون بما في القلب من الأقوال والأعمال، وكذلك بأعمال الجوارح الظاهرة، وأن إيمان أبي بكر الصديق والسابقين الأولين ليس كإيمان من بعدهم بلا شك ولا ريب، فضلا عن أن يكون إيمان العصاة والفاسقين كإيمان الصديقين والطائعين، والدليل على ذلك ما سبق من الأدلة وما ورد موردها وهي كثيرة.
ومما يبين أن الأعمال تتفاضل في نفسها ما ورد في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: ثم إن نفي الإيمان عند عدمها ـ يعني الأعمال ـ دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة، فإن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا تُرك بعض واجباته. اهـ [1]
وقال ابن أبي العز رحمه الله: فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا، فالصلاة من الإيمان والزكاة والصوم والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية والإنابة.
وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعب الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى عن الطريق. اهـ [2]
قلت: وما ذكره ابن أبي العز عن تقسيم شعب الإيمان أخذه من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى المذكور في كتاب الصلاة، وهو كلام نفيس يبين بجلاء أن الأعمال من الإيمان، وأن منها ما يكون شرطا فيه كالنطق بالشهادتين وما يلحق به من أصول الإيمان وفرائضه، وهذه الشعب هي التي يزول الإيمان بزوالها، بخلاف غيرها من الشعب الواجبة أو المستحبة والتي تعد أيضا من الإيمان، غير أن الإيمان لا يزول بزوالها ولكن ينقص فقط، ولا يخرج العبد من الإيمان بزوالها ولكن يدخل في درجة الظالمين لأنفسهم كما تقدم في أول الباب، والله تعالى أعلم.
قال ابن القيم رحمه الله: ولما كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله
(1) مجموع الفتاوى ج7/14: 15، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله في ذلك كلاما طويلا في الجزء السابع/232: 237.
(2) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز/340، راجع/335.