تبعض الإيمان وتجزؤه
وهذه المسألة أيضا مما نتج عن الخلاف في تعريف الإيمان، وتفرعت عنه أصول بدع الجهمية والمرجئة والخوارج، فإنهم قد منعوا تبعض الإيمان وقالوا إنه شيء واحد لا يتجزأ.
فالإيمان عند الجهمية هو المعرفة بالله تعالى، والكفر ليس إلا الجهل بالله تعالى، ومتى جهل الإنسان ربه صار كافرا، والمعرفة بالله لا تتبعض ولا تتجزأ.
وقالت المرجئة والخوارج الإيمان شيء واحد، فهو عند المرجئة التصديق أو التصديق مع الإقرار، وقالوا متى ذهب بعض التصديق صار شكا، والشك في الإيمان هو عين الكفر، ولذلك فإنه لا يتبعض ولا يتجزأ، وهذا هو السبب الرئيسي في قولهم في منع الاستثناء في الإيمان كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقالت الخوارج: الإيمان هو مجموع ما أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وإذا ذهب بعضه ـ بترك واجب واحد أو فعل محرم واحد ـ ذهب كله ولم يبق منه شيء.
وأما أهل السنة والجماعة فقد قالوا في هذه المسألة: إن الإيمان يتبعض ويتجزأ لأنه مجموع من شعب يصح أن يوجد بعضها ولا يوجد بعضها الآخر، وذلك بشرط أن يكون الذي ذهب منها لا يؤثر في إبطال ما بقي من هذه الشعب، وذلك مبني على العلم بأحكام الشريعة على الإجمال أو التفصيل، وكذلك العمل بالتكاليف والأحكام الشرعية.