فمن المعروف أنه ليس إيمان من علم أحكام الشريعة المفصلة من صلاة وصيام وحج وغيره وقام بها، كمن جهل ذلك أو علمها ولكنه لم يعمل ببعض الأحكام والشرائع [1] ، فإن الأول عنده من الإيمان ما ليس عند الثاني بلا شك ولا ريب، ولا يستوي كذلك إيمان من آمن مجملا ومات قبل معرفة المفصل مع إيمان من آمن بالمجمل وعلم المفصل فآمن به وعمل به.
وقد سبق بعض ما يُستدل به في هذا الباب من الآيات والأحاديث في المسألة الماضية، ومنه قوله تعالى في الحديث القدسي: (ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار فأخرجوه ـ أى من النار ـ ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه ... ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه...)
وهذا الحديث واضح الدلالة على أن الإيمان يتبعض، وأن بعضه يكون أكثر من البعض الآخر، ويبين ذلك لفظ (مثقال دينار) ، (مثقال نصف دينار) ، (مثقال ذرة)
ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله: وأما قول القائل إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ولم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة هو مجموع ما أمر الله به ورسوله وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا: ـ أي الخوارج والمعتزلة ـ فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه شيء فيخلد في النار.
وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من أعمال الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) .
وكان أهل السنة والحديث على أن الإيمان يتفاضل، وجمهورهم يقول: يزيد وينقص، ومنهم من يقول: يزيد ولا ينقص كما في إحدى الروايتين عن مالك، ومنهم من يقول: يتفاضل كعبد الله بن المبارك.اهـ [2]
على أنه مما يجب التنبيه عليه أن هناك من الأعمال والأقوال ما يكون شرطا في الإيمان، وهذه
(1) المقصود من هذا بيان أن من آمن بأحكام الشريعة مع تقصيره في بعضها يصح أن يسمى مؤمنا ولا يستوي مع من علمها فقام بها ولم يقصر في العمل، ويشترط كذلك في الأعمال المتروكة أن لا تكون مما يدخل في شروط الإيمان وأصوله، فإن تارك الشروط والأصول ليس بمؤمن، بل يُحكم عليه بالكفر بشروطه.
(2) مجموع الفتاوى ج7/223.