(بسيفيهما) ، وهذا يدل على جواز اجتماع شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر الأصغر (المعصية) في العبد دون أن يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام.
وعن واصل الأحدب عن المعرور قال: (لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حُلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فعيرتُه بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -:(يا أبا ذر أعيرتَه بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية) [1] ، فقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي ذر أنه فيه جاهلية مع مكانته العظيمة بين المسلمين، ولم يحكم عليه بالخروج من الملة، بل جعل لذلك القول ـ قول أبي ذر للرجل ـ مثل الكفارة أن يطعمه مما يطعم وأن يلبسه مما يلبس، وإذا ثبت ذلك، ثبت صحة اجتماع الإسلام وخصلة غير مكفرة من خصال الجاهلية في العبد، دون أن يلزم من ذلك أن يخرج العبد من الملة.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان...) الحديث [2] ، فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من اتصف بخصلة من خصال النفاق ففيه شعبة منه، ومقتضى هذا اجتماع شعب الإيمان والكفر والنفاق في العبد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان...) الحديث [3] ، فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه تسمية النساء بذلك وأنه لا يعني به الكفر الأكبر وأنهن لم يخرجن من الملة، وأن ذلك في كونهن يكفرن حق الأزواج عليهن.
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيُخرجون منها قد اسودوا، فيُلقون في نهر الحيا ـ أو الحياة شك مالك ـ فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية) [4] .
(1) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك، ورواه أيضا مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة والبيهقي والبزار عن أبي ذر - رضي الله عنه - .
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب كفران العشير، ورواه أيضا في كتاب الحيض بلفظ (تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: ولم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) ، ورواه أيضا مسلم والنسائي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة والشافعي في مسنده ومالك في موطئه والطبراني في الأوسط والكبير.
(4) رواه البخاري، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، ورواه أيضا مسلم وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وابن مندة في الإيمان بألفاظ متقاربة من حديث أبي سعيد الخدري وجابر وأنس - رضي الله عنهم - .